لم تكن «بيتنا الآن» تتحدث من فراغ عندما أشارت، مباشرة بعد ظهور نتائج انتخابات 23 شتنبر، إلى أن مشاورات تشكيل الحكومة المقبلة لن تكون مفتوحة على عشرات الاحتمالات، وإنما ستدور عملياً حول عدد محدود من التركيبات القادرة على إنتاج أغلبية برلمانية مريحة.
واليوم، وبعد أن أعلنت وزارة الداخلية نتائج الانتخابات، بتصدر حزب الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعداً، يليه التجمع الوطني للأحرار بـ66، ثم حزب الاستقلال بـ65، والحركة الشعبية بـ29، والاتحاد الاشتراكي بـ26، والتقدم والاشتراكية بـ19، والاتحاد الدستوري بـ17، والحركة الديمقراطية الاجتماعية بـ8 مقاعد، أصبحت الحسابات أكثر وضوحاً.
السيناريو الأول:
الأصالة والمعاصرة + التجمع الوطني للأحرار + حزب الاستقلال = 228 مقعداً.
أي أغلبية تفوق العتبة المطلقة بـ30 مقعداً.
السيناريو الثاني:
الأصالة والمعاصرة + حزب الاستقلال + الحركة الشعبية + الاتحاد الدستوري، مع احتساب الحركة الديمقراطية الاجتماعية ضمن هذا التكتل = 216 مقعداً.
أي أغلبية تفوق العتبة المطلقة بـ18 مقعداً.
وبذلك، فإن كلا السيناريوهين، من حيث الحساب العددي المجرد، قادر على تجاوز عتبة الأغلبية المطلقة المحددة في 198 مقعداً من أصل 395.
وهنا تحديداً تقول «بيتنا الآن»: إن تشكيل حكومة بأحد هذين السيناريوهين سيضعها، عددياً، في موقع مختلف تماماً عن حكومة تقوم على أغلبية هشة أو متقاربة الأرقام.
لكن السياسة ليست مجرد آلة حاسبة.
فالأغلبية البرلمانية لا تعني فقط جمع أرقام الأحزاب، وإنما تعني أيضاً وجود اتفاق سياسي وبرنامج حكومي وانضباط في التصويت وتفاهم حول توزيع المسؤوليات والاختصاصات. ولذلك فإن الرقم 228 أو 216 يعطي للحكومة هامشاً برلمانياً مهماً، لكنه لا يلغي الحاجة إلى تدبير سياسي مستمر.
أما الحديث عن إسقاط الحكومة من طرف المعارضة، وفي مقدمتها حزب العدالة والتنمية، فيحتاج بدوره إلى وضع الأمور في إطارها الدستوري.
فالتهديد السياسي شيء، وإسقاط الحكومة دستورياً شيء آخر.
الدستور ينص على أن مجلس النواب يمكنه معارضة مواصلة الحكومة تحمل مسؤوليتها بواسطة ملتمس للرقابة، ولا يقبل هذا الملتمس إلا إذا وقعه على الأقل خُمس أعضاء المجلس، كما أن سحب الثقة لا يتم إلا بالأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم مجلس النواب، ويؤدي نجاحه إلى استقالة الحكومة استقالة جماعية.
وبالتالي، فإن وجود 216 أو 228 نائباً داخل أغلبية حكومية منسجمة، يجعل الحساب البرلماني لملتمس الرقابة أكثر تعقيداً، لكنه لا يجعل المسألة مستحيلة من الناحية الدستورية إذا حدث انقسام حقيقي داخل الأغلبية نفسها.
أما الحديث عن الاتحاد الاشتراكي أو التقدم والاشتراكية، فلا ينبغي أن يتحول إلى مسلمات إعلامية.
فالكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي، إدريس لشكر، أعلن في برنامجه الانتخابي أن حزبه يضع تصوره السياسي والبرنامجي على أساس واضح، فيما تحدثت تقارير صحفية قبل الانتخابات عن شروط يطرحها بشأن موقع الحزب في المرحلة المقبلة.
لكن القرار النهائي بشأن دخول أي حزب إلى الأغلبية أو بقائه في المعارضة يظل رهيناً بالمفاوضات السياسية، وبما ستفرزه مشاورات تشكيل الحكومة.
وهنا تكمن خلاصة «بيتنا الآن»:
المعادلة المقبلة لا تحتاج بالضرورة إلى تحالف واسع ومتشعب يضم كل الأطياف السياسية. فالخريطة الانتخابية الجديدة تتيح، حسابياً، بناء أغلبية مريحة من تركيبات محددة، وهو ما يجعل المفاوضات المقبلة اختباراً للبرامج والتفاهمات أكثر مما هي عملية جمع ميكانيكي للمقاعد.
ومن هذه الزاوية، فإن السيناريوهين اللذين أشارت إليهما «بيتنا الآن» يظلان من بين التركيبات الحسابية الواضحة أمام الحزب المتصدر.
أما ما بعد تشكيل الحكومة، فالمعيار الحقيقي لن يكون عدد المقاعد وحده، ولا أسماء الوزراء وحدها، ولا حجم الحضور الحزبي داخل الحكومة، وإنما قدرة الأغلبية على العمل بانسجام، واحترام البرنامج الحكومي، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وضمان استمرار المؤسسة الحكومية في أداء وظائفها دون أن تتحول الخلافات الحزبية إلى أزمات حكومية متتالية.
فالانتخابات انتهت…
والآن يبدأ الامتحان الأصعب:
من يستطيع أن يحوّل 97 مقعداً إلى حكومة، ومن يستطيع أن يحوّل 216 أو 228 مقعداً إلى أغلبية سياسية مستقرة؟
هنا فقط ستعرف المغاربة ماذا صنعت صناديق 23 شتنبر، وماذا ستصنع مشاورات ما بعد الانتخابات.