منذ أن أفرزت انتخابات 23 شتنبر 2026 خريطة سياسية جديدة داخل مجلس النواب، بدأت بعض الأصوات، وفي مقدمتها أصوات من العدالة والتنمية، تلوّح مبكراً بإسقاط الحكومة المقبلة التي يتصدر مسار تشكيلها حزب الأصالة والمعاصرة.
والسؤال الذي تطرحه «بيتنا الآن» هنا ليس سياسياً، ولا حزبياً، ولا عاطفياً…
بل دستورياً وبالأرقام: كيف يمكن إسقاط الحكومة؟ وهل تكفي المعارضة الغاضبة لإسقاطها؟
الجواب موجود في الدستور، وليس في المهرجانات الخطابية.
الفصل 105 من الدستور يمنح مجلس النواب آلية واضحة هي ملتمس الرقابة، لكنه لا يجعل إسقاط الحكومة أمراً متاحاً بمجرد جمع أحزاب المعارضة أو إعلانها عن رغبتها في ذلك.
صحيح أن تقديم ملتمس الرقابة يحتاج إلى توقيع خُمس أعضاء مجلس النواب، لكن إسقاط الحكومة فعلياً يتطلب موافقة الأغلبية المطلقة لأعضاء المجلس.
ومجلس النواب يضم 395 نائباً.
أي أن إسقاط الحكومة يحتاج إلى:
198 صوتاً… لا 107!
وهنا تبدأ الحسابات الحقيقية.
فالعدالة والتنمية حصل على 54 مقعداً، والاتحاد الاشتراكي على 26، والتقدم والاشتراكية على 19، وتحالف اليسار على 8.
المجموع؟
107 مقاعد فقط.
وبالتالي، فإن هذه المكونات الأربعة، مجتمعة، تبقى على بعد 91 صوتاً من الرقم الدستوري المطلوب لإسقاط الحكومة.
وهنا نقولها بوضوح:
المعارضة تستطيع أن تراقب، وتنتقد، وتستجوب، وتعارض، وتقدم ملتمس الرقابة… لكنها لا تستطيع إسقاط الحكومة دستورياً إلا إذا استطاعت جمع 198 نائباً داخل مجلس النواب.
أما رفع شعار «سنسقط الحكومة» فشيء، وامتلاك الأصوات اللازمة لإسقاطها شيء آخر.
بل إن المعادلة تصبح أكثر تعقيداً عندما ننظر إلى الخريطة الانتخابية كاملة.
فالأصالة والمعاصرة تصدر النتائج بـ97 مقعداً، يليه التجمع الوطني للأحرار بـ66، ثم الاستقلال بـ65.
وهذه الأحزاب الثلاثة وحدها تصل إلى:
228 مقعداً.
أي أنها تتجاوز عتبة الأغلبية المطلقة بـ30 مقعداً، إذا شكلت بالفعل تحالفاً حكومياً متماسكاً بهذه الصيغة.
وهنا لا تحتاج «بيتنا الآن» إلى قراءة الفنجان ولا إلى التنجيم السياسي.
الأرقام تتحدث.
والدستور يتحدث.
والبرلمان هو المكان الذي تُختبر فيه الشعارات بالتصويت.
لذلك، فإن من يريد إسقاط الحكومة عليه أولاً أن يجيب عن سؤال بسيط:
من أين سيأتي بـ198 صوتاً؟
هل سيحصل على دعم الحركة الشعبية؟
هل سينضم إليه الاتحاد الدستوري؟
هل ستلتحق به أحزاب أخرى؟
هل سينشق نواب من الأغلبية؟
هل ستتغير التحالفات البرلمانية بعد تشكيل الحكومة؟
كل ذلك ممكن سياسياً من حيث المبدأ، لكن لا شيء منه يتحقق بمجرد إطلاق التصريحات.
فالسياسة البرلمانية ليست مباراة في رفع الصوت، وإنما هي حساب للأرقام والتحالفات والمواقف والتصويت.
والأهم من ذلك أن الدستور نفسه وضع آجالاً ومساطر لهذا النوع من الرقابة؛ فملتمس الرقابة لا يصوت عليه إلا بعد مرور ثلاثة أيام كاملة على إيداعه، وإذا حاز الأغلبية المطلقة فإنه يؤدي إلى الاستقالة الجماعية للحكومة. كما أن الحكومة نفسها يمكن لرئيسها أن يطلب ثقة مجلس النواب وفق الفصل 103، ولا تسحب منها الثقة إلا بالأغلبية المطلقة.
وهنا رسالة «بيتنا الآن» إلى الجميع، أغلبية ومعارضة:
المعارضة حق دستوري، وإسقاط الحكومة حق دستوري إذا توفرت شروطه، لكن تحويل التلويح بالإسقاط إلى حقيقة يحتاج إلى 198 نائباً، لا إلى 198 تصريحاً صحفياً.
فالانتخابات انتهت.
والآن بدأت مرحلة أخرى:
مرحلة الحساب.
ومن أراد إسقاط الحكومة، فليبدأ العدّ.
واحد… اثنان… ثلاثة…
وليصل أولاً إلى الرقم الذي وضعه الدستور أمامه:
198.
أما ما دون ذلك، فليس إسقاطاً للحكومة…
بل مجرد معارضة.
والدستور، في نهاية المطاف، لا يصوّت بالهتافات.
الدستور يصوّت بالأغلبية.