افتتاحية «بيتنا الآن» الإلكترونية | الخبر مقدس والتعليق حر
ماذا يحدث داخل الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية؟
السؤال لم يعد ترفًا صحفيًا، ولا مجرد همس داخل أروقة المؤسسة، بل أصبح سؤالًا مشروعًا تطرحه شغيلة الوكالة، والمحافظون، والأطر، والموثقون، والمحامون، والقضاء، والإدارات العمومية، والمؤسسات العمومية، والمرتفقون، وكل من اعتاد على مدى عقود التعامل مع مؤسسة المحافظ العام باعتبارها مؤسسة ذات وظيفة قانونية وتقنية ومهنية واضحة، لها اختصاصاتها ومسؤولياتها وأجوبتها.

واليوم، يجد هؤلاء أنفسهم أمام سؤال أكبر:
هل نحن أمام إعادة هيكلة مؤسساتية حقيقية، أم أمام عملية لإذابة معالم مؤسسة عريقة داخل هيكلة إدارية جديدة؟
إن إدماج مؤسسة المحافظ العام وإلحاقها بالكتابة العامة للوكالة، بحسب المعطيات التي توصلت بها «بيتنا الآن»، يطرح علامات استفهام ثقيلة حول فلسفة هذه الخطوة وأهدافها وآثارها على استقلالية الوظيفة القانونية التي ظلت مؤسسة المحافظ العام تضطلع بها.
فالمسألة ليست مجرد تغيير في الخانات التنظيمية، ولا نقل مكتب من طابق إلى طابق، ولا إعادة توزيع للأختام والمراسلات.
إنها مسألة مؤسساتية.
فمن اعتاد أن يوجه مراسلاته واستفساراته إلى مؤسسة المحافظ العام وينتظر جوابًا صادرًا عنها، ومن اعتاد أن يجد أمامه مؤسسة ذات اختصاص ومسؤولية واضحة، يحق له اليوم أن يسأل: ما الذي سيبقى من هذه المؤسسة إذا أصبحت، عمليًا، تحت مظلة الكتابة العامة؟
ومن اتخذ قرار هذه الهندسة الجديدة؟
ومن اقترحها؟
ومن دافع عنها داخل المجلس الإداري؟
ومن أقنع أعضاءه بجدواها؟
وهل تمت دراسة آثارها القانونية والمهنية والإدارية قبل تمريرها؟
أسئلة مشروعة، ولا تحتاج إلى غضب حتى تكون قوية.
المحافظ العام ليس مجرد مكتب!
هنا يجب أن نقولها بوضوح:
مؤسسة المحافظ العام ليست مكتبًا إداريًا يمكن تحريك لافتته وإلحاقها بهذه المديرية أو تلك.
إنها مؤسسة ارتبط بها تاريخ طويل من التأطير القانوني والمهني والتقني في مجال المحافظة العقارية، وتعود إليها مختلف الفئات المتعاملة مع المنظومة العقارية في قضايا واستفسارات دقيقة وحساسة.
ولهذا فإن أي تغيير في موقعها داخل الهيكلة التنظيمية يجب أن يخضع لمنطق مؤسساتي واضح، لا لمنطق الأشخاص، ولا لموازين النفوذ داخل المقر المركزي.
والأخطر من القرار نفسه هو أن يتحول، إذا لم تضبط اختصاصاته وضماناته بوضوح، إلى وضع تصبح فيه المؤسسة مطالبة بتنفيذ ما يصدر إليها من سلطة إدارية أعلى، بدل أن تكون لها مساحة مؤسساتية واضحة في ممارسة اختصاصاتها وإبداء الرأي القانوني والمهني.
وهنا بالضبط تكمن خطورة السؤال.
هل أصبح الطابق 12 أقوى من الطابق 14؟
داخل الوكالة، يتداول العاملون صورة أصبحت تختصر، في نظرهم، إشكالية التدبير:
الطابق 14 حيث المدير العام، والطابق 12 حيث الكتابة العامة.
ولا يتعلق الأمر بالطوابق في حد ذاتها، وإنما بما يقال عن مركز القرار الحقيقي داخل المؤسسة.
فإذا كان المدير العام هو المسؤول الأول عن الوكالة، فمن الطبيعي أن يكون هو صاحب القرار والمسؤول عن نتائج التدبير.
وإذا كانت هناك اختلالات في الهيكلة أو في توزيع الاختصاصات، فإن المسؤولية السياسية والإدارية والمؤسساتية النهائية لا يمكن أن تُرمى ببساطة على موظف أو مسؤول آخر.
ولهذا، فإن «بيتنا الآن» لا ترى في توجيه أصابع الاتهام إلى الكاتب العام وحده جوابًا كافيًا.
المسؤولية النهائية عن المؤسسة تقع على عاتق مديرها العام.
أما ما يقال عن نفوذ الكاتب العام الحالي، وعن تحكمه في المديريات والأقسام والمصالح، وعن امتداد نفوذه إلى مختلف مفاصل الوكالة، فهو موضوع يحتاج إلى أجوبة مؤسساتية، لا إلى همسات الممرات.
وإذا كانت هذه الادعاءات غير صحيحة، فالأمر أبسط من ذلك:
لتخرج الوكالة وتوضح للرأي العام حقيقة ما يجري.
30 شتنبر.. موعد الأسئلة الثقيلة
ولعل ما يزيد المشهد إثارة هو المقابلة المعلن عنها، بحسب المعطيات التي توصلت بها «بيتنا الآن»، يوم الأربعاء 30 شتنبر 2026 على الساعة الحادية عشرة صباحًا بقاعة الاجتماعات بالكتابة العامة بالرباط، والمتعلقة بانتقاء مدير قطب الشؤون القانونية والعقارية.
وهنا تحديدًا تبدأ الأسئلة التي لا يمكن إسكاتها.
هل تتوفر لجنة الانتقاء على جميع الشروط والضمانات القانونية والتنظيمية اللازمة؟
هل معايير الانتقاء معلنة وواضحة وقابلة للتدقيق؟
هل تتساوى الفرص بين جميع المترشحين؟
وهل تتوفر اللجنة على التركيبة التي تفرضها النصوص المنظمة؟
ثم ماذا عن وضعية المترشح الذي تشير المعطيات المتداولة إلى أنه يشغل حاليًا منصب المحافظ العام، فيما تشير المعلومات نفسها إلى قرب إحالته على التقاعد خلال سنة 2027؟
هل يسمح الإطار القانوني والتنظيمي المعمول به بترشيحه وانتقائه للمنصب المذكور؟
هنا نريد النص، لا التأويل.
نريد المقتضى القانوني.
نريد قرار فتح الترشيح.
نريد معايير الانتقاء.
نريد تركيبة اللجنة.
ونريد أن يعرف أطر الوكالة لماذا وكيف تم الوصول إلى هذه الصيغة.
أما القول بأن هناك خروقات، أو أن العملية محسومة، أو أن شخصًا بعينه سيستفيد منها، فلا ينبغي أن يبقى مجرد كلام متداول.
فإذا كانت العملية سليمة، فلتُفتح أوراقها أمام الجميع. وإذا كانت سليمة قانونًا، فليقل القانون كلمته.
من محافظ طلب الإعفاء لأسباب صحية إلى مترشح لمنصب قيادي؟
وتطرح المعطيات التي توصلت بها «بيتنا الآن» سؤالًا آخر حول المسار المهني للمترشح المذكور، خاصة ما يرتبط بما يقال عن تقدمه، خلال فترة سابقة من مساره المهني، بطلب إعفاء من مهامه كمحافظ على الأملاك العقارية بطنجة بني مكادة لأسباب صحية، ثم عودته لاحقًا إلى مسار مناصب المسؤولية، وصولًا إلى منصب المحافظ العام، ثم ترشحه اليوم لمنصب مدير قطب الشؤون القانونية والعقارية.
وهنا أيضًا لا تريد «بيتنا الآن» محاكمة الرجل، ولا التشكيك في حقه في الترشيح.
نحن نسأل فقط: هل المسطرة سليمة؟
لأن الكفاءة لا تُقاس بالضجيج، والمناصب لا تُمنح بالولاء، والمؤسسات لا تُدار بالانطباعات.
إلى السيد المدير العام: الوكالة أمانة وليست ملكية شخصية
السيد المدير العام كريم تجموعتي،
إن مسؤوليتكم اليوم ليست فقط في تدبير الملفات اليومية للوكالة، وإنما في حماية بنيتها المؤسساتية، وضمان احترام قواعد الحكامة، والحفاظ على وضوح المسؤوليات والاختصاصات.
وإذا كانت هناك محاولة لإعادة هندسة مؤسسة المحافظ العام، فمن حق الرأي العام المهني أن يعرف لماذا.
وإذا كانت هناك مباراة لولوج منصب استراتيجي في قطب الشؤون القانونية والعقارية، فمن حق أطر الوكالة أن يعرفوا كيف ستتم.
وإذا كانت كل الإجراءات قانونية، فلتخرج الوكالة وتضع حدًا لكل الكلام.
أما الصمت، في مثل هذه الملفات، فإنه لا يطفئ الأسئلة؛ بل يضاعفها.
«بيتنا الآن» لن تكون جزءًا من الصمت
نحن في «بيتنا الآن» لا ندعي امتلاك الحقيقة المطلقة.
لكننا نؤمن بأن الخبر مقدس والتعليق حر.
ولذلك سنطرح الأسئلة، وننشر الوثائق متى توفرت، ونستمع إلى مختلف الأطراف، ونمنح الوكالة ومسؤوليها كامل الحق في الرد والتوضيح، لأن النقد المؤسساتي لا يعني إصدار أحكام مسبقة.
أما ما يقال عن الإشهار أو شراء الصمت أو التأثير في المنابر الإعلامية، فموقف «بيتنا الآن» واضح:
لن نبيع خطنا التحريري بدرهم واحد.
لا من أموال الوكالة، ولا من أموال أي مؤسسة عمومية، ولا من جيوب دافعي الضرائب.
فأموال المؤسسات العمومية ليست مالًا خاصًا لمسؤول حتى يوزعها على من يشاء، والإشهار العمومي ليس شيكًا لشراء الصمت.
وإذا كان لدى أي مسؤول داخل الوكالة ما ينفي هذه المعطيات، فباب «بيتنا الآن» مفتوح أمامه.
البداية فقط…
هذه ليست نهاية الملف.
بل هي الحلقة الأولى من ملف ستعود إليه «بيتنا الآن» في حلقات متتالية، لتطرح أسئلة حول الهيكلة الجديدة، ومصير مؤسسة المحافظ العام، وحقيقة توزيع الاختصاصات، ومسارات التعيين والترقية، ومعايير انتقاء المسؤولين، وحدود سلطة الكتابة العامة، ومدى احترام الحكامة داخل الوكالة.
وسنضع المسؤولين أمام مسؤولياتهم.
لا تصفية حسابات.
لا تشهيرًا.
لا محاكمة لأشخاص.
ولكن أيضًا:
لا صمت.
لأن الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية ليست ملكًا لهذا المسؤول أو ذاك.
إنها مؤسسة عمومية، وملك للمغاربة، وموظفوها وأطرها يستحقون حكامة واضحة، ومؤسسات قوية، وقواعد شفافة، ومسؤوليات محددة.
أما مؤسسة المحافظ العام، التي تعامل معها المغاربة ومهنيو العدالة والعقار والإدارات العمومية لعقود، فلا يجوز أن تتحول إلى مجرد اسم في هيكلة جديدة دون أن يعرف الجميع:
لماذا تغيرت؟ ومن قرر؟ وبأي سند؟ وإلى أين تتجه؟
والكرة الآن في ملعب الوكالة.
فلتجب.