ليست كل المعارك النقابية معارك من أجل امتيازات إضافية، وليست كل المطالب الاجتماعية مطالب قابلة للتأجيل أو المساومة. فهناك مطالب تفرضها العدالة المهنية والاجتماعية، وتصبح مشروعيتها أكبر حين يتعلق الأمر بمؤسسة عمومية تحقق مداخيل مالية ضخمة، وتساهم بشكل مباشر في تعزيز موارد خزينة الدولة، بينما لا ينعكس هذا النجاح المالي بالقدر المطلوب على أوضاع شغيلتها.
إنها الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية، المؤسسة التي تحولت إلى واحدة من أهم روافد المالية العمومية، بمداخيل سنوية تناهز عشرة مليارات درهم، أي ما يعادل ألف مليار سنتيم، وفق المعطيات المتداولة. مؤسسة تجني الدولة من مواردها ما يفوق ثلثي هذه المداخيل، فيما تجد إدارتها نفسها أمام إمكانيات مالية متبقية محدودة، يتعين عليها تدبير الأجور والتعويضات والتسيير والتجهيز والاستثمارات والالتزامات الأخرى.
وهنا تكمن المفارقة التي تستحق أن تتحول إلى قضية رأي عام: كيف يعقل أن تكون المؤسسة بهذا الحجم من المداخيل، وأن يظل مستخدموها في انتظار منحة استثنائية طالما اعتبروها حقاً مشروعاً ومكافأة مستحقة على ما يقدمونه من مجهودات؟
إن النقابة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية، باعتبارها إحدى النقابات القوية داخل الاتحاد المغربي للشغل، وخصوصاً بالقطاع الفلاحي، لم تكتسب مكانتها من فراغ. فقد كانت، بشهادة محطات نضالية متعددة، وراء تحقيق مكتسبات مادية ومعنوية لفائدة شغيلة الوكالة، وأثبتت أن العمل النقابي الجاد قادر على انتزاع الحقوق حين يكون منظماً، موحداً ومبنياً على ملفات مطلبية واضحة.
واليوم، وهي تعقد اجتماع مكتبها الإداري، فإن الرهان الحقيقي أمامها ليس فقط تجديد المطالبة بالمنحة الاستثنائية، وإنما نقل المعركة إلى مستواها الحقيقي، حيث توجد القرارات المالية الكبرى.
نعم، من حق المستخدمين المطالبة بمنحة استثنائية تتناسب مع النتائج المالية التي تحققها الوكالة، ومن حقهم أيضاً المطالبة بتحسين ظروف العمل، والرفع من مستوى الخدمات الاجتماعية، وتمكين مؤسسة الأعمال الاجتماعية من الموارد المالية الكافية حتى تضطلع بأدوارها تجاه المستخدمين والمتقاعدين على حد سواء.
فالموظف الذي يساهم في إنتاج الثروة ليس أجيراً هامشياً، والمتقاعد الذي أفنى سنوات عمره في خدمة المؤسسة لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد رقم خارج حسابات الاهتمام الاجتماعي.
لكن الإنصاف يقتضي أيضاً وضع الأمور في نصابها. فالمدير العام الحالي، السيد كريم تجموعتي، لا يمكن أن يتحمل وحده مسؤولية اختلال التوازن بين حجم مداخيل الوكالة والموارد التي تبقى رهن إشارته بعد تحويل حصة كبيرة منها إلى خزينة الدولة. وإذا كانت المنحة الاستثنائية قد شكلت موضوع وعد سابق، فإن الوفاء بهذا الوعد يقتضي توفير الشروط والاعتمادات المالية اللازمة، لا الاكتفاء بمخاطبة الإدارة العامة ومطالبتها بما قد لا تملك سلطة تقريره بمفردها.
وهنا نقولها بوضوح: ليس من المنطقي أن نطالب المدير العام بأن يمنح من مال لا يوجد تحت تصرفه، وأن نحاسبه على قرارات مالية تتجاوز صلاحياته.
إن كريم تجموعتي، بصفته المسؤول الأول عن الإدارة العامة للوكالة، يظل مطالباً بالترافع عن مصالح مستخدمي مؤسسته، والدفاع عن حقوقهم لدى الجهات الحكومية المختصة، والعمل على إيجاد الصيغ القانونية والمالية الكفيلة بتحقيق مطالبهم. لكن المسؤولية الأساسية عن السياسة المالية وتوزيع الموارد لا يمكن اختزالها في شخص المدير العام.
لذلك، فإن وجهة المعركة النقابية ينبغي أن تتغير. على النقابة أن ترفع صوتها في وجه الحكومة، وأن توجه مرافعاتها واحتجاجاتها إلى رئيسة الحكومة ووزير الاقتصاد والمالية، وإلى الجهات الحكومية المعنية، مطالبة بإعادة النظر في حجم الموارد التي تُحوّل من مداخيل الوكالة إلى الميزانية العامة، وبإقرار آلية عادلة تضمن استفادة الشغيلة من جزء من الثروة التي يساهمون في إنتاجها.
إن قوة هذه النقابة لا تقاس فقط بعدد الإضرابات أو أيام التوقف عن العمل، بل بقدرتها على اختيار الجهة التي تملك القرار، وتحديد المسؤوليات بدقة، وتحويل المطالب الاجتماعية إلى قرارات ملموسة.
كما أن مؤسسة الأعمال الاجتماعية لم تعد تحتمل سياسة التمويل المحدود، في وقت تتسع فيه حاجيات المستخدمين والمتقاعدين. المطلوب تمويل يليق بحجم المؤسسة وبعدد المستفيدين، ويضمن خدمات اجتماعية حقيقية، تحفظ كرامة العاملين والمتقاعدين وترد الاعتبار لمن ساهموا في بناء هذا الصرح المؤسساتي.
إننا في جريدة «بيتنا الآن» نعتبر أن المنحة الاستثنائية ليست ترفاً نقابياً ولا مطلباً موسمياً، بل عنواناً للإنصاف وتقاسم ثمار المجهود. ولا يمكن مطالبة المستخدمين بمزيد من التضحية والعطاء، دون أن يقابل ذلك اعتراف مادي واجتماعي يترجم قيمة ما يقدمونه.
الدولة التي تستفيد من المليارات مطالبة بألا تنسى من يصنعون تلك المليارات.
فلا يعقل أن تكون الوكالة بقرة حلوباً بالنسبة إلى الميزانية العامة، بينما يظل مستخدموها ينتظرون نصيبهم من الإنصاف. ولا يعقل أن تتحول النجاحات المالية للمؤسسة إلى أرقام تباهٍ في التقارير، دون أن تجد طريقها إلى تحسين الوضع الاجتماعي لمن يقفون وراءها.
إنها لحظة الحقيقة أمام الحكومة، وأمام وزارة الاقتصاد والمالية، وأمام النقابة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية.
أنصفوا شغيلة الوكالة، أو على الأقل لا تجعلوا أصحاب الفضل في إنتاج الثروة آخر من يستفيد منها.
فالحقوق لا تُمنح بالشفقة، والمكتسبات لا تُصان بالصمت، والعدالة الاجتماعية لا تتحقق بالأرقام وحدها، بل بمدى انعكاسها على كرامة الإنسان.
الخبر مقدس والتعليق حر.