حين تسقط الأقنعة تحت قبة البرلمان… من يحاسب من: الحكومة أم نواب الأمة؟

لم تعد قبة البرلمان المغربي مجرد فضاء لمناقشة مشاريع القوانين والترافع حول السياسات العمومية، بل أصبحت، في بعض لحظاتها، مسرحاً لمواجهات كلامية وتبادل للاتهامات، أعاد إلى الواجهة سؤالاً جوهرياً حول طبيعة الممارسة السياسية بالمغرب: هل نحن أمام استعادة الروح السياسية للمؤسسة التشريعية، أم أمام مشهد جديد من الصراعات التي تستهلك الزمن البرلماني دون أن تقدم للمغاربة أجوبة عن انتظاراتهم؟

إن عودة المواجهة بين الأغلبية والمعارضة ليست في حد ذاتها أمراً سلبياً، بل إن الاختلاف والتدافع السياسيين من صميم العمل الديمقراطي. غير أن الفرق كبير بين معارضة تراقب وتحاسب وتقترح، ومعارضة تجعل من التصادم غاية في حد ذاته، كما أن هناك فرقاً بين أغلبية تدافع عن حصيلة حكومتها بالحجة والأرقام، وأغلبية تتعامل مع كل انتقاد باعتباره استفزازاً سياسياً.

لقد انتخب المغاربة ممثليهم من أجل الدفاع عن قضاياهم، وليس من أجل مشاهدة فصول من التلاسن والمشاحنات تحت قبة المؤسسة التي يفترض أن تجسد إرادة الأمة. فالمواطن الذي يواجه غلاء الأسعار، ويبحث عن فرصة شغل، وينتظر مستشفى في مستوى تطلعاته ومدرسة تضمن لأبنائه تعليماً جيداً، لا تعنيه كثيراً حدة الأصوات بقدر ما تعنيه نتائج النقاشات والقرارات.

والأكثر إثارة للانتباه أن بعض المواجهات البرلمانية تتحول أحياناً من مناقشة الاختيارات الحكومية إلى سجالات شخصية، وكأن قوة النائب تقاس بقدرته على إحراج خصمه أو رفع صوته في وجهه، لا بمدى امتلاكه للحجة والملف والبديل.

ومن هنا، فإننا في هيئة تحرير «بيتنا الآن» نعتبر أن استعادة السياسة داخل البرلمان لا تعني استعادة ثقافة الصراخ، ولا أن تتحول الرقابة البرلمانية إلى تصفية حسابات، أو أن يصبح الدفاع عن الحكومة مرادفاً لإسكات منتقديها.

إن الحكومة مطالبة بالإنجاز، والمعارضة مطالبة بالرقابة والاقتراح، والأغلبية مطالبة بالدفاع عن اختياراتها بالحجة والبرهان، والجميع مطالب باحترام الدستور والمؤسسات وأخلاقيات العمل السياسي.

لقد حان الوقت لكي يدرك الجميع أن البرلمان ليس ملكاً للأحزاب ولا للأغلبية ولا للمعارضة، وإنما هو مؤسسة للمغاربة جميعاً، وأن قيمة النائب لا تقاس بعدد المرات التي دخل فيها في مواجهة مع خصومه، بل بما يقدمه من تشريع ورقابة وترافع عن مصالح المواطنين.

إن المغاربة لا يحتاجون إلى برلمان يعلو فيه الصوت على الحجة، بل إلى برلمان تعلو فيه الحجة على كل الأصوات.

فإذا كانت السياسة قد عادت إلى قبة البرلمان، فمرحباً بها، أما إذا كان الذي عاد هو الضجيج، فإن المغاربة في غنى عن موسم جديد من الفرجة السياسية التي لا تغير واقعهم ولا تجيب عن انتظاراتهم.

الخبر مقدس والتعليق حر.

شاهد أيضا

شاهد أيضا