الصحراء المغربية ليست ورقة انتخابية إسبانية… يا حزب الشعب وفوكس: لا تأكلوا الثوم في صراعنا مع الجزائر!
بقلم : حسن الخلفي:المدير المسؤول.
افتتاحية جريدة بيتنا الآن
يبدو أن بعض الأحزاب السياسية الإسبانية لم تستوعب بعد أن المغرب ليس موضوعاً للاستهلاك الانتخابي، وأن قضية وحدته الترابية ليست ورقة سياسية يمكن إخراجها من الأدراج كلما اقترب موعد الانتخابات، أو توظيفها لاستمالة أصوات اليمين المتطرف. فالمواقف العدائية التي بات يروج لها الحزب الشعبي الإسباني، وتحالفه أو تقاربه السياسي مع حزب فوكس اليميني المتطرف، لن تغير شيئاً من حقيقة راسخة: الصحراء مغربية، ومغربية الصحراء ليست رهينة تغير الحكومات الإسبانية ولا حسابات صناديق الاقتراع.
إلى الحزب الشعبي الإسباني وحليفه فوكس نقول: لا تأكلوا الثوم في صراعنا مع الجزائر! فهذا مثل مغربي يلخص الكثير من الحكمة السياسية. المغرب لا يحتاج إلى دروس من أحزاب تبحث عن أصوات الناخبين على حساب علاقاته الدولية، ولا يقبل أن تتحول قضيته الوطنية الأولى إلى مادة للمزايدات الانتخابية الإسبانية.
وليعلم هؤلاء أن العداء الاستراتيجي الذي اختارت الجزائر نهجه تجاه المملكة المغربية، منذ وصول عبد المجيد تبون إلى رئاسة الجمهورية، وشنقريحة إلى قيادة أركان الجيش الوطني الشعبي، ليس معركة المغرب، بل هو اختيار سياسي تتحمل الجزائر مسؤولية تبعاته. وسيظل المغرب متمسكاً بثوابته، مدافعاً عن مصالحه، ومواصلاً مسيرته التنموية والدبلوماسية، دون أن يسمح لأي طرف بجره إلى أجندات لا تخدم مصالحه.
أما الحزب الشعبي الإسباني، فنذكره بأن العلاقات المغربية الإسبانية ليست مجرد صورة تذكارية يلتقطها رئيسا الحكومتين، ولا اتفاقاً يمكن شطبه بتصريح انتخابي. إنها علاقات استراتيجية وجغرافية واقتصادية وأمنية وإنسانية، نسجتها عقود من المصالح المشتركة، ولا يمكن لحزب سياسي أن يعبث بها دون أن يدفع ثمن ذلك سياسياً واقتصادياً.
فهل يستطيع الحزب الشعبي، إذا وصل إلى الحكم، أن يستغني عن المغرب؟ هل سيوقف التعاون في مجال مراقبة الهجرة غير النظامية ومحاربة شبكات الاتجار بالبشر؟ وهل سيقطع التعاون الأمني والاستخباراتي؟ وهل سيستغني عن المبادلات التجارية والاتفاقيات الاقتصادية؟ وهل سيوقف مصالح أساطيل الصيد البحري الإسبانية؟ وهل سيعزل سبتة ومليلية عن محيطهما الاقتصادي والاجتماعي والجغرافي؟ وهل يعتقد قادة الحزب الشعبي أن بإمكانهم إعادة عقارب الساعة إلى الوراء دون أن تتأثر مصالح إسبانيا؟
ثم هل يظنون أن الاتفاقيات الأوروبية والعلاقات الدولية يمكن أن تخضع لأهواء حملة انتخابية، وأن المصالح المشتركة بين الدول تُدار بمنطق الشعارات الحزبية؟
إن الشعب الإسباني أدرى من قادته السياسيين بحجم المصالح التي تربطه بالمغرب، وبأهمية هذه الشراكة بالنسبة إلى أمن إسبانيا واستقرارها الاقتصادي والتجاري. أما تحويل المغرب إلى خصم انتخابي، فليس بطولة سياسية، وإنما مغامرة غير محسوبة العواقب.
والأغرب أن بعض الأصوات في الحزب الشعبي وحزب فوكس تحاول دغدغة مشاعر الناخبين باستعمال خطاب عدائي تجاه المغرب، وكأن مهاجمة المملكة أصبحت شرطاً لإثبات الوطنية الإسبانية. والحقيقة أن الوطنية لا تُقاس بعدد التصريحات المعادية لدولة جارة، وإنما بقدرة الأحزاب على الدفاع عن مصالح مواطنيها وصيانة علاقات بلادها الاستراتيجية.
ونقول لهؤلاء أيضاً: لا تخلطوا بين ما تقولونه في الحملات الانتخابية وما ستفرضه عليكم مسؤولية الحكم. فهناك فرق شاسع بين خطاب المعارضة وواقع تدبير الدولة. وعندما تصلون إلى مراكز القرار، ستجدون أنفسكم أمام جغرافيا لا تتغير، ومصالح لا تختفي، واتفاقيات لا يمكن التعامل معها بمنطق الشعارات.
أما قضية الصحراء المغربية، فقد تجاوزت منذ زمن مرحلة انتظار رضا هذا الحزب أو ذاك. فالمغرب يواصل تعزيز موقفه الدبلوماسي، وتوسيع دائرة الاعتراف الدولي بسيادته على أقاليمه الجنوبية، والدفاع عن مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الحل الواقعي والجاد وذي المصداقية، في إطار السيادة المغربية والوحدة الترابية للمملكة.
وحتى لو اختار الحزب الشعبي مراجعة موقف الحكومة الإسبانية السابق، أو حاول التراجع عن دعم المبادرة المغربية للحكم الذاتي، فإن ذلك لن يوقف مساراً دبلوماسياً مغربياً متواصلاً، ولن يعطل مشاريع التنمية والاستثمار والبنيات التحتية التي تمتد من طنجة إلى الكويرة.
ولا ننسى أن بإسبانيا جالية مغربية كبيرة، إلى جانب مواطنين من أصول مغربية وإفريقية، يشكلون جزءاً من النسيج الاجتماعي والاقتصادي الإسباني. ومن يحمل الجنسية الإسبانية منهم يتمتع بحقوقه السياسية والانتخابية كاملة، وله أن يحاسب الأحزاب على مواقفها وسياساتها، تماماً كما يفعل باقي المواطنين الإسبان.
إن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى قادة الحزب الشعبي وفوكس واضحة: المغرب ليس خصماً انتخابياً، والصحراء المغربية ليست ورقة للمساومة، والعلاقات بين الدول لا تُبنى على الكراهية ولا على دغدغة المشاعر.
أما يوم 29 نونبر، إن كان موعداً للحسم الانتخابي، فسيكون الناخب الإسباني هو صاحب الكلمة في صناديق الاقتراع. وحينها ستظهر حقيقة الخطاب الانتخابي، وسيتضح إن كان العداء للمغرب مجرد بضاعة موسمية لتجميع الأصوات، أم توجهاً سياسياً يريد أصحابه المغامرة بمصالح إسبانيا الاستراتيجية.
من حق الحزب الشعبي أن يتحالف مع من يشاء، ومن حق فوكس أن يرفع الشعارات التي يريد، لكن ليس من حقهما أن يتوهما أن مستقبل المغرب ووحدته الترابية سيحددهما تحالف انتخابي في مدريد.
المغرب أكبر من حساباتكم الانتخابية، والصحراء مغربية أمس واليوم وغداً، ومسيرة التنمية من طنجة إلى الكويرة لن تنتظر نتائج صناديق الاقتراع الإسبانية.
بيتنا الآن: لا نطلب من الأحزاب الإسبانية أن تحب المغرب، ولكن نطالبها بأن تحترم مصالح شعوبها، وأن تكف عن تحويل الجغرافيا والتاريخ والعلاقات الاستراتيجية إلى رهينة للمزايدات الانتخابية.