بيتنا الآن – افتتاحية
عاد ملف مصفاة «لاسامير» بالمحمدية إلى الواجهة من جديد، وهذه المرة على إيقاع عرض استثماري إماراتي ضخم تناهز قيمته 34 مليار درهم، تقدمت به شركة «MJM Investments»، من أجل اقتناء أصول هذه المنشأة الصناعية الاستراتيجية التي توقفت عن الإنتاج منذ غشت 2015، ودخلت مسطرة التصفية القضائية سنة 2016.
إنه خبر يستحق أن تتوقف عنده الحكومة المغربية، كما يستحق أن يحظى باهتمام الرأي العام، لأن الأمر لا يتعلق بمجرد صفقة عقارية أو استثمارية عادية، وإنما بمستقبل الأمن الطاقي للمملكة، وبإمكانية استعادة المغرب لواحد من أهم أسلحته الصناعية في مواجهة تقلبات الأسواق الدولية للنفط والمواد البترولية.
لقد دفع المغرب، منذ توقف المصفاة، ثمنا اقتصاديا واستراتيجيا يتمثل في الاعتماد على استيراد المحروقات المكررة، بعدما كانت «لاسامير» تتوفر على قدرة تكريرية تصل إلى حوالي 200 ألف برميل يوميا، وكانت تغطي، وفق المعطيات المنشورة، قرابة 65 في المائة من حاجيات السوق الوطنية من المحروقات المكررة.
واليوم، وبعد أكثر من عقد من الانتظار، يعود المستثمر الإماراتي بعرض مالي ضخم، لكنه يضع شرطا أساسيا قبل المضي في العملية، يتمثل في تمكين خبرائه وتقنييه من دخول المصفاة وإجراء افتحاص شامل لمختلف وحداتها الإنتاجية وخزاناتها وتجهيزاتها، لتحديد حالتها الحقيقية وتقدير حجم الاستثمارات الضرورية لإعادة تشغيلها وفق المعايير الحديثة للسلامة والبيئة.
وهنا بالضبط تكمن أهمية الملف؛ فـ34 مليار درهم، مهما كانت قيمتها، لا تعني أن الصفقة حُسمت، ولا أن عجلات الإنتاج ستعود غدا إلى الدوران. فالعملية ما تزال مرتبطة بالمسطرة القضائية، وبقرار المحكمة التجارية بالدار البيضاء، وبنتائج الخبرة التقنية، ومدى قدرة المستثمر على الوفاء بالتزاماته.
كما أن العرض الإماراتي الحالي يعيد إلى الأذهان عرضا سابقا بالقيمة نفسها تقريبا، لم تقبله المحكمة التجارية في فبراير الماضي، وهو ما يفرض التعامل مع المستجدات بقدر كبير من الدقة والمسؤولية، بعيدا عن تحويل الأنباء الاستثمارية إلى إعلان مسبق عن نهاية الأزمة.
والسؤال الذي ينبغي أن يطرح اليوم ليس فقط: من سيشتري لاسامير؟ بل: كيف سيستعيد المغرب قدرته على تكرير النفط وتخزينه وتأمين حاجياته الاستراتيجية؟
إن بيتنا الآن ترى أن ملف لاسامير يجب أن يتجاوز منطق الانتظار والتدبير القضائي وحده، ليصبح موضوع نقاش وطني حول السيادة الطاقية، لأن الأمن الطاقي ليس ترفا اقتصاديا، بل ركيزة من ركائز الأمن القومي والاستقرار الاجتماعي.
وعلى الحكومة أن تواكب هذا الملف، في حدود اختصاصاتها القانونية والمؤسساتية، وأن تعمل على توفير الشروط الكفيلة بتشجيع الاستثمار الجاد، وحماية الأصول الصناعية للمصفاة من التفكيك والضياع، مع ضمان احترام حقوق الدائنين والعمال والمصالح الوطنية.
كما أن إعادة تشغيل لاسامير، إذا تحققت، لن تعني بالضرورة انخفاض أسعار المحروقات بصورة آلية، لأن الأسعار تتأثر بعوامل دولية وبتكاليف التكرير والنقل والتوزيع والضرائب والمنافسة. لكنها ستمنح المغرب إمكانية أكبر لتنويع مصادر التزود، وتطوير قدراته التخزينية والتكريرية، وتقليص بعض أوجه الارتهان للأسواق الخارجية.
إن المغرب الذي يطمح إلى ترسيخ مكانته الاقتصادية والصناعية، لا يمكنه أن يظل متفرجا أمام تعطيل منشأة بهذا الحجم والأهمية.
لقد حان الوقت لكي تتحول لاسامير من ملف قضائي مفتوح منذ 2016 إلى ورش وطني لإعادة بناء الأمن الطاقي المغربي.
أما كابوس المحروقات، فلن ينتهي بمجرد الإعلان عن عرض بقيمة 34 مليار درهم، وإنما عندما تعود المصفاة إلى الإنتاج، وتستعيد المملكة جزءا من قدرتها على التحكم في سلسلة التزود بالطاقة، ويصبح المواطن قادرا على لمس الأثر الحقيقي لأي إصلاح في حياته اليومية.
بيتنا الآن.. الخبر مقدس والتعليق حر.