حين تختلط المفاهيم، تتحول المساطر القانونية إلى إشاعات، وتصبح المعلومة الصحيحة ضحية سوء الفهم!
يبدو أن الفهم الصعب أصبح عنواناً بارزاً لبعض النقاشات التي رافقت التطورات السياسية والمؤسساتية الأخيرة بالمغرب، بعدما اختلط الأمر على عدد من المتابعين، داخل المملكة وخارجها، وجرى تداول أخبار وتأويلات توحي بأن السيدة فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة، قدمت استقالتها من منصبها، رفقة عدد من أعضاء حكومتها!
والحقيقة أن الأمر مختلف تماماً، ولا علاقة له باستقالة رئيسة الحكومة من مسؤوليتها التنفيذية، ولا بانسحابها من قيادة الحكومة، وإنما يتعلق باستقالتها من عضوية مجلس النواب، إلى جانب عدد من الوزراء الذين كانوا يجمعون بين الصفة البرلمانية والمسؤولية الحكومية.
وهنا يكمن مربط الفرس، وهنا أيضاً يبدأ الفهم الصحيح للموضوع.
ففاطمة الزهراء المنصوري، التي تتولى رئاسة الحكومة، كانت تشغل، في الوقت نفسه، مقعداً بمجلس النواب، شأنها شأن عدد من أعضاء الفريق الحكومي الذين حصلوا على مقاعد برلمانية خلال الانتخابات التشريعية الأخيرة. وأمام مقتضيات القانون المتعلقة بحالات التنافي بين العضوية البرلمانية وتولي المسؤولية الحكومية، أصبح من الضروري تسوية هذه الوضعية القانونية، من خلال التخلي عن المقاعد النيابية، مع الاستمرار في تحمل المسؤوليات الحكومية.
وبتاريخ 2 نونبر 2026، توصل مكتب مجلس النواب رسمياً باستقالات رئيسة الحكومة وعدد من أعضاء حكومتها من عضوية المؤسسة التشريعية، وتم الإعلان عن إحالة الملفات على المحكمة الدستورية لاتخاذ المتعين قانوناً.
أما المسطرة فلا تنتهي بمجرد تقديم الاستقالة، بل تتطلب إحالة الأمر على المحكمة الدستورية، من خلال الرسالة التي يوجهها رئيس مجلس النواب إلى رئيس المحكمة، حتى تتخذ هذه الأخيرة القرارات القانونية المتعلقة بشغور المقاعد البرلمانية وترتيب الآثار المترتبة عنها.
وهنا ينبغي توضيح نقطة أخرى لا تقل أهمية: إن المقاعد التي سيجري التصريح بشغورها لا تعني بالضرورة تنظيم انتخابات جزئية جديدة، وإنما يتم تعويض أصحابها، وفق المقتضيات القانونية المنظمة للانتخابات، بالمرشحين الذين يلونهم في ترتيب اللوائح الانتخابية التي فازت بمقاعدها، متى توفرت الشروط القانونية لذلك.
إذن، لا استقالة من رئاسة الحكومة، ولا أزمة حكومية، ولا انسحاب جماعي من المسؤولية التنفيذية. إنها عملية قانونية ومؤسساتية هدفها إنهاء حالة التنافي وتسوية الوضعية النيابية لأعضاء الحكومة المعنيين.
إن ما يثير الانتباه في هذه الواقعة ليس الاستقالة في حد ذاتها، وإنما السرعة التي تتحول بها بعض الأخبار إلى إشاعات، وكيف يمكن لعبارة واحدة غير دقيقة أن تقود الرأي العام إلى استنتاجات لا علاقة لها بحقيقة ما جرى.
ومن هنا، فإننا في جريدة «بيتنا الآن» نؤكد أن من واجب الإعلام المهني ألا يكتفي بنقل العناوين المثيرة، بل أن يشرح خلفيات القرارات، ويفكك المساطر القانونية، ويميز بين الوقائع والتأويلات، لأن الخبر مقدس والتعليق حر.
فهمتم الآن؟ فاطمة الزهراء المنصوري لم تستقل من الحكومة، وإنما تخلت عن مقعدها البرلماني، شأنها شأن الوزراء المعنيين، لتسوية حالة التنافي وفق القانون. وبين الاستقالتين مسافة كبيرة، لا يدركها إلا من يقرأ الخبر بعين القانون، وليس بعين الإشاعة!
بيتنا الآن… لأن الحقيقة تستحق أن تُفهم، لا أن تُحرّف.