بقلم:حسن الخلقي
كل أسبوع، تقريباً يوم الأربعاء، يعود نفس المشهد: أجهزة الإعلام المُسيَّرة تذيع بلاغات أو تحقيقات أمنية تُحمّل المغرب بشكل مباشر أو غير مباشر مسؤولية دخول كميات كبيرة من المخدرات إلى التراب الجزائري. زعمٌ يتكرر كأنّه سيناريو مُدرّب، وكأنّ هناك محطة بثّ تُعيد بثّ نفس النص مع تغيّر الأرقام والأسماء فقط. هذا التكرار لم يعد موضوع إنذار بل أصبح عرضاً مسرحياً، والضحايا الأولون فيه هم عقل المواطن والمنطق العام.
الجهات الرسمية الجزائرية تتباهى بين الفينة والأخرى بـ«تحييد» شبكات و«إجهاض» محاولات تهريب قادمة من الغرب، وتطبع البيانات بصيغة النصر: «مداهمات»، «حجز أطنان»، «إيقاف مواطنين قادمين من المغرب»… وكل ذلك يُستعمل كقطعة دعائية لتلميع صورة جهاز أمني عاجز عن ضبط حدوده إلاّ إذا أراد إقناع جمهور داخلي بأن العدو الخارجي هو سبب كل شلل، وكل فشل. أمثلة حديثة على هذا الخط متوافرة في تقارير وبيانات نشرها الإعلام الجزائري حول «محاولات تهريب من المغرب» وعمليات حجز كميات كبيرة.
سؤال بسيط ومربك: أين هي المعايير؟ أين المساءلة؟
لو كانت هذه البلاغات حقيقية وموضوعية، لكان الأجدى بالسلطات الجزائرية أن تُقدّم أدلة قاطعة، أن تُنشر تقارير جنائية مفصلة، وأن تدعو لآليات تعاون جادّة بين الأجهزة، لا أن تُوظِّف الأمن كورقة انتخابية داخلية أو كستار لتمرير خطاب قومي مضادّ للمخاطر الحقيقية التي تعيشها الدولة. الاتهامات المتكررة بلا بروتوكول شفاف للتحقيق تطرح سؤالاً جوهرياً: هل هناك غاية سياسية وراء هذه الدعايات أم هو فشل في ضبط الحدود تُغطيه رواية الاتهام الخارجي؟
لماذا نرى في هذه البلاغات «مسرحية إقناع» أكثر من كونها عمل أمني؟
-
التكرار الدوري والمواعيد الثابتة — البلاغات التي تظهر كـ«نُبْأ أمني» كل مرّة في توقيتات متقاربة تُشبه المنتج الإعلامي المخطَّط، وليست تحقيقاً أمنياً متصاعداً.
-
غياب الشفافية حول مسارات التحقيق — بيانات تُعلن عن «إيقافات» و«حجوزات» لكن دون كشف مسار التحقيق القضائي أو تسليمها لجهات مستقلة للتحقق. هذا النمط يذكّر بالممارسات التي تُستعمل لتسويق قصة بديلة عن الفشل الداخلي.
-
استغلالها لتأجيج العداء الإعلامي — حين تتحول العمليات الأمنية إلى بيانات تستهدف دولة مجاورة، فإنها تُستخدم لرفع نبرة الخطاب الوطني المستفز، بدل معالجة جذور الظاهرة: شبكات منظمة، اختراقات إدارية، فساد محتمل…
رسالة إلى «جيشكم العظيم» و«أمنكم المقداد»
أين أنتم عندما تدخل هذه السلع من «الباب الغربي»؟ إذا كانت الحدود مشدّدة فعلاً، فلماذا تتكرر محاولات التهريب؟ إذا كانت هناك شبكة تضمّ عناصر من داخل وخارج، لماذا لا تُعرض نتائج التحقيقات على الرأي العام؟ إن خطاب الاتهام السهل لا يعفي أحداً من تساؤل أخلاقي وقانوني: هل يُعقل أن تُعوّض استراتيجية الأمن الفعلية بتصريحات تُثبّت الرواية السياسية؟ السر هنا ليس في حجم الحبوب المحجوزة، بل في غياب المصداق
كلمة أخيرة لِـ«منتجي» هذه المسرحية (وللجمهور الذي ما زال يصدّقها)
إن اتهام دولة مجاورة كلما تعثّرت السياسات المحلية هو أسلوب رجعي. إنّ حديثنا عن «إنتاج وإخراج سعيد شنقريحة» ليس اتهاماً جنائياً (ولا نسوق أدلة على جرائم شخصية)، إنما قراءةٌ سياسيّةٌ لأسلوبٍ اتُّبع في إدارة السرد العام: تحويل المشاكل الداخلية إلى «عدو خارجي». وهذا أسلوب مفيد فقط لطفيليين على السلطة يريدون تشتيت الانتباه عن مشاكل المؤسسات وتقصيرها. على المواطنين أن يطالبوا بالشفافية، وعلى النخب المدنية أن تكسر حلقة التسييس الأمنية، وعلى الإعلام الحر أن يُطالب بالأدلة لا بالتصفيق.