بين وفرة المداخيل وتأخر الحقوق: مفارقة الوكالة العقارية في ضوء مقارنة مع مؤسسات عمومية كبرى

في سياق يتسم بتزايد النقاش حول أوضاع المؤسسات العمومية بالمغرب، تبرز حالة الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية كنموذج لمؤسسة تجمع بين النجاعة المالية والتدبير الإداري المحكم، مقابل استمرار مطالب اجتماعية عالقة لمستخدميها.

فالوكالة تحقق رقم معاملات سنوي يفوق 7 مليارات درهم، مع فائض مالي مهم، ما يضعها ضمن المؤسسات العمومية الأكثر مردودية. كما استثمرت بشكل كبير في الرقمنة والتجهيزات، ونجحت في تحديث بنيتها الإدارية والتقنية.

غير أن المفارقة تبرز عند مقارنة هذا الأداء مع مؤسسات عمومية أخرى:

فمجموعة المكتب الشريف للفوسفاط (OCP)، رغم طبيعتها الصناعية وتقلبات السوق، تتوفر على منظومة متكاملة للأعمال الاجتماعية تشمل السكن، الصحة، التقاعد التكميلي، والخدمات الترفيهية لفائدة المستخدمين.

كما أن المكتب الوطني للسكك الحديدية (ONCF)، ورغم التحديات المالية التي واجهها لسنوات، يتوفر على مؤسسة للأعمال الاجتماعية تقدم خدمات مباشرة لمنخرطيها، تشمل الدعم الصحي والمصايف والمنح الاجتماعية.

بدوره، يشتغل صندوق الإيداع والتدبير (CDG) وفق نموذج يجمع بين الأداء المالي القوي والاهتمام بالعنصر البشري، عبر مؤسسات اجتماعية مهيكلة وخدمات متنوعة.

هذه المقارنة تطرح سؤالًا جوهريًا:

كيف لمؤسسة ذات مداخيل مرتفعة واستقرار مالي واضح، مثل الوكالة العقارية، أن تظل دون مؤسسة أعمال اجتماعية فعالة، في حين أن مؤسسات أخرى، بعضها واجه عجزًا أو مديونية، نجحت في إرساء هذه الآليات منذ سنوات؟

وتشير المعطيات إلى أن ملف مؤسسة الأعمال الاجتماعية ما يزال مجمدًا لدى وزارة الاقتصاد والمالية والأمانة العامة للحكومة، رغم توفر الإمكانيات المالية التي تتيح إخراجه دون تأثير يُذكر على توازنات الوكالة.

في المقابل، تبقى ملفات مراجعة الأجور والنظام الأساسي رهينة بقرارات مركزية، ما يجعل الإدارة العامة، بقيادة كريم تجموعتي، في موقع تنفيذي بين مطالب النقابات وإكراهات القرار الحكومي.

كما يُنتظر من النقابة الأكثر تمثيلية، التي تمتلك امتدادًا داخل مجلس المستشارين، الانتقال من منطق المطالب الداخلية إلى الترافع المؤسساتي القوي، عبر الضغط على الجهات الحكومية المعنية لتسريع إخراج هذا الورش الاجتماعي.

إن المقارنة لم تعد مجرد قراءة رقمية، بل أصبحت معيارًا للإنصاف:

فحين تتوفر الموارد، وتتحقق النتائج، يصبح من المشروع أن تنتقل المكاسب من الأرقام إلى الواقع الاجتماعي للمستخدمين.

وفي ظل هذه المعادلة، يبقى الرهان اليوم ليس على إثبات القدرة المالية، بل على ترجمتها إلى عدالة اجتماعية داخل مؤسسة تُعد من أعمدة الأمن العقاري بالمغرب… لأن الصبر، في نهاية المطاف، له حدود.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد