إيران بين نار الحصار وصمود الداخل: هل يكفي “النَّفَس الطويل” لمواجهة الاستنزاف؟

في كل مرة تعود فيها لغة الحصار إلى الواجهة، يُعاد طرح السؤال ذاته: هل تستطيع إيران الصمود أمام ضغط اقتصادي طويل الأمد تقوده الولايات المتحدة؟ سؤال يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه يخفي وراءه شبكة معقدة من التوازنات الاقتصادية والجيوسياسية، حيث لا يكون الحصار مجرد إجراء اقتصادي، بل أداة صراع مفتوح بأدوات ناعمة وخشنة في آن واحد.

منذ أن أعادت إدارة دونالد ترامب فرض عقوبات قاسية بعد الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني، دخلت طهران مرحلة “الاختبار الطويل”. لم يكن الهدف المعلن إسقاط النظام، بل دفعه إلى تغيير سلوكه عبر خنق موارده الأساسية، وعلى رأسها النفط، شريان الاقتصاد الإيراني.

غير أن الواقع كشف عن معادلة أكثر تعقيدًا. فإيران، التي وجدت نفسها في مواجهة حصار اقتصادي متعدد الأوجه، لم تكن بلا أدوات. فقد تبنّت ما تسميه “اقتصاد المقاومة”، معتمدة على تقليص الاعتماد على الخارج، وتوسيع شبكاتها التجارية غير التقليدية، خصوصًا مع قوى كبرى مثل الصين، التي ظلت نافذة حيوية لتصريف جزء من صادراتها النفطية.

لكن الصمود الاقتصادي لا يعني غياب الألم. فالعقوبات تركت آثارًا عميقة على الحياة اليومية للإيرانيين: تضخم متصاعد، عملة منهكة، وطبقة وسطى تتآكل تدريجيًا. هنا يظهر الوجه الحقيقي للحصار، ليس كقرار سياسي مجرد، بل كضغط مباشر على المجتمع، حيث يتحول الاقتصاد إلى ساحة معاناة يومية.

ورغم ذلك، فإن الرهان على “انفجار داخلي سريع” لم يتحقق. صحيح أن إيران شهدت موجات احتجاج متكررة، لكن الدولة أظهرت قدرة على امتصاص الصدمات، مستفيدة من مزيج معقد من القبضة الأمنية، والخطاب القومي الذي يربط بين الصمود والسيادة. في مثل هذه الظروف، يصبح الحصار سلاحًا ذا حدين: يضغط على النظام، لكنه قد يعزز أيضًا تماسكه الداخلي في مواجهة الخارج.

على المستوى الدولي، لا يبدو أن واشنطن قادرة على فرض عزلة كاملة. فغياب إجماع عالمي، ووجود قوى كبرى مثل روسيا والصين، يحدّ من فعالية أي حصار شامل. بل إن موقع إيران الجغرافي، وإشرافها على مضيق هرمز، يمنحها ورقة ضغط حساسة، تجعل أي تصعيد محفوفًا بمخاطر تمتد إلى الاقتصاد العالمي بأسره.

إن الحصار، في جوهره، ليس معركة حاسمة تُحسم سريعًا، بل حرب استنزاف طويلة، تُقاس نتائجها بالسنوات لا بالأيام. وفي هذه الحرب، لا يكون السؤال فقط: هل ستصمد الدولة؟ بل أيضًا: إلى أي حد يمكن للمجتمع أن يتحمل كلفة هذا الصمود؟

في النهاية، تبدو إيران أمام معادلة دقيقة: قدرة على البقاء، يقابلها ثمن داخلي متزايد. أما العالم، فيقف أمام مفارقة أكبر: حصار يراد له أن يكون أداة ضغط، لكنه قد يتحول، في أي لحظة، إلى شرارة توتر أوسع، تتجاوز حدود الاقتصاد إلى ما هو أخطر.

فهل يكون “النَّفَس الطويل” كافيًا لإنهاك إيران، أم أن هذا النَّفَس ذاته هو ما يمنحها القدرة على الاستمرار؟ سؤال مفتوح على احتمالات متعددة، في منطقة لا تعترف كثيرًا بالنهايات السهلة.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد