انقسام داخل هيئة العدول بالمغرب: بين دعوات استئناف العمل وتصعيد نضالي مفتوح

 

في تطور لافت يعكس حجم التوتر داخل مهنة التوثيق العدلي بالمغرب، فجّرت بلاغات متباينة صادرة عن الهيئات المهنية للعدول جدلاً واسعاً، بعدما دعت الهيئة الوطنية إلى استئناف العمل، في وقت اختارت فيه بعض المجالس الجهوية نهج التصعيد ومواصلة التوقف عن أداء المهام. هذا التباين لا يطرح فقط سؤال وحدة الجسم المهني، بل يفتح نقاشاً أعمق حول مشروعية المطالب وحدود الاحتجاج داخل مرفق حيوي يرتبط مباشرة بحقوق المواطنين ومعاملاتهم الي

أصدرت الهيئة الوطنية للعدول بالمغرب، عبر مكتبها التنفيذي، بلاغاً تدعو فيه كافة العدول إلى استئناف العمل بمختلف المكاتب العدلية على امتداد التراب الوطني، ابتداءً من يوم الأربعاء 28 أبريل 2026، في خطوة اعتُبرت محاولة لإنهاء حالة الشلل التي عرفها القطاع خلال الفترة الأخيرة.

غير أن هذا التوجه لم يلقَ إجماعاً داخل المهنة، حيث سارع المجلس الجهوي للعدول بدائرة الاستئناف بطنجة إلى إصدار بيان مضاد، أعلن فيه تبرؤه التام من بلاغ الهيئة الوطنية، معتبراً أنه لا ينسجم مع “الإرادة الحرة” للعدول ولا يعكس وحدة صفهم. وأكد المجلس تشبثه بخيار “النضال المسؤول”، داعياً إلى مواصلة التوقف عن تقديم الخدمات التوثيقية إلى حين تحقيق المطالب التي وصفها بـ”العادلة والمشروعة”.

ويعكس هذا التباين في المواقف وجود تصدع واضح داخل الجسم المهني، بين توجه يميل إلى التهدئة واستئناف العمل، وآخر يراهن على استمرار الضغط لتحقيق مكاسب مهنية، وعلى رأسها صون كرامة المهنة وضمان مكتسباتها. كما يبرز هذا الوضع إشكالية العلاقة بين الهيئة الوطنية والمجالس الجهوية، وحدود تمثيلية القرار المهني في ظل تعدد المرجعيات داخل التنظيم.

وفي بُعد قانوني لافت، شدد بيان المجلس الجهوي على ضرورة إحالة القانون المنظم للمهنة على المحكمة الدستورية، من أجل البت في مدى مطابقته لأحكام الدستور، وهو مطلب يعكس توجهاً نحو الاحتكام إلى الآليات الدستورية لحسم الجدل القائم، ويطرح في الآن ذاته تساؤلات حول مدى احترام بعض المقتضيات القانونية لحقوق المهنيين وضمانات استقلاليتهم.

على المستوى العملي، يهدد استمرار هذا الوضع بإرباك مصالح المواطنين، خاصة في ظل الدور المحوري الذي يلعبه العدول في توثيق المعاملات المرتبطة بالعقار والأسرة والإرث. كما قد يؤدي إلى ضغط متزايد على قنوات التوثيق الأخرى، مما ينعكس سلباً على السير العادي للمعاملات ويؤثر على مناخ الثقة في الخدمات التوثيقية.

ويرى متتبعون أن المرحلة الراهنة تضع مهنة العدول أمام مفترق طرق حاسم، يتطلب إما تغليب منطق الحوار والتوافق لإعادة الاستقرار، أو الانزلاق نحو مزيد من التصعيد الذي قد يعمق الأزمة ويطيل أمدها. كما يظل تدخل المؤسسات المعنية، سواء عبر الوساطة أو عبر المساطر الدستورية، وارداً في حال استمرار حالة الان

بين دعوات العودة إلى العمل وخيار الاستمرار في الاحتجاج، تبقى مهنة العدول أمام اختبار دقيق لمدى قدرتها على تدبير خلافاتها الداخلية دون المساس بمصالح المواطنين. وفي انتظار مآلات هذا التجاذب، يظل الرهان الأكبر هو تحقيق توازن يضمن كرامة المهنيين واستمرارية مرفق التوثيق في آن واحد.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد