لم يعد بالإمكان التعاطي مع الهجوم الإرهابي الذي استهدف جمهورية مالي باعتباره عملاً معزولاً تقف وراءه جماعات خارجة عن القانون فقط، بل بات واضحاً – وفق ما أعلنته السلطات المالية – أن الأمر يتعلق بعملية مركبة، تقف خلفها شبكات مسلحة تستفيد من دعم إقليمي مباشر وغير مباشر.
اتهامات باماكو لم تأتِ من فراغ، بل استندت، بحسب الرواية الرسمية، إلى معطيات ميدانية تفيد بتورط عناصر مسلحة تنشط في شمال مالي، إلى جانب مرتزقة، في هجوم منظم يهدف إلى زعزعة استقرار البلاد. الأخطر من ذلك هو ما أشارت إليه هذه المعطيات من وجود دعم لوجيستيكي وتغذية مستمرة لهذه الجماعات، في سياق يطرح أكثر من علامة استفهام حول الجهات التي تراهن على إبقاء منطقة الساحل في حالة فوضى دائمة.
هذا التطور الخطير يعيد إلى الواجهة إشكالية توظيف الجماعات المسلحة كأدوات لتحقيق أهداف جيوسياسية، وهو ما يهدد ليس فقط مالي، بل مجمل دول المنطقة التي تجد نفسها أمام خطر عابر للحدود، يتغذى من هشاشة الأوضاع ومن صراعات النفوذ.
في المقابل، لم تكن مالي وحدها في مواجهة هذا التحدي، إذ حظيت بدعم وتعاطف دوليين، في ظل وعي متزايد بخطورة ما يجري في الساحل. كما برز دعم واضح من المملكة المغربية، التي أكدت مرة أخرى التزامها الثابت بمساندة الدول الإفريقية في مواجهة التهديدات الأمنية، انطلاقاً من رؤية قائمة على التضامن الفعلي لا الشعارات.
إن ما كشفته مالي يضع المنتظم الدولي أمام مسؤولياته، فالصمت أو الاكتفاء ببيانات التنديد لم يعد كافياً، في وقت تتزايد فيه المؤشرات على وجود أطراف تستثمر في عدم استقرار المنطقة. المطلوب اليوم هو مواقف حازمة، وتحقيقات شفافة، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في دعم أو تمويل هذه الجماعات.
مالي، وهي تخوض معركتها ضد الإرهاب، لا تدافع فقط عن حدودها، بل عن استقرار منطقة بأكملها. وأي تهاون في كشف الحقيقة أو التغاضي عن الجهات الداعمة، لن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة وتوسيع رقعة التهديد.