الساحل بين منطق الدولة ومغامرات النفوذ

ما أعلنته مالي مؤخرًا لا يمكن التعامل معه كخبر عابر في زحمة الأحداث، بل هو مؤشر خطير على مستوى التوتر الذي بلغته منطقة الساحل. اتهام مباشر يطال الجزائر بخصوص المساس بالسيادة، يضع الجميع أمام سؤال صريح: إلى أين تتجه المنطقة؟

شخصيًا، لا أرى في تزامن هذه التطورات مع مراجعة باماكو لموقفها من جبهة جبهة البوليساريو مجرد صدفة سياسية. فالدعم الذي أعلنته مالي لمبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب يعكس تحولًا في موازين القراءة الإقليمية، وهو تحول يبدو أنه لم يمر دون ردود فعل.

لكن، بعيدًا عن منطق الاصطفاف، يبقى السؤال الأهم: هل تتحمل منطقة الساحل مزيدًا من التوتر؟ الجواب، في تقديري، واضح. هذه منطقة تعيش أصلًا تحت ضغط أمني هائل، حيث تتقاطع تهديدات الجماعات المسلحة مع هشاشة البنيات السياسية. وأي تصعيد إضافي لن يكون مجرد رسالة سياسية، بل مخاطرة مفتوحة.

منطق الدولة، كما نفهمه، يقوم على احترام السيادة وتدبير الخلافات عبر القنوات الواضحة. أما الانزلاق نحو حسابات النفوذ، فهو طريق قصير نحو فوضى طويلة الأمد. والتجارب القريبة والبعيدة تؤكد أن اللعب على حافة الأزمات غالبًا ما ينتهي بانفلاتها.

إن ما يجري اليوم في الساحل ليس مجرد خلاف إقليمي، بل اختبار حقيقي لقدرة الدول على ضبط إيقاعها في زمن الأزمات. فإما أن تنتصر الحكمة، أو نكون أمام مرحلة جديدة عنوانها عدم اليقين.

وفي النهاية، قد يختلف الفاعلون في تقييماتهم، لكنهم يتفقون – أو يجب أن يتفقوا – على حقيقة واحدة: استقرار المنطقة ليس تفصيلًا، بل شرط جوجود.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد