ليست كل الرسائل الملكية مجرد رسائل دبلوماسية، وليست كل المواقف السياسية تُقرأ بحروفها فقط، بل هناك رسائل تُكتب بلغة المواقف، وتُقرأ بلغة التاريخ والجغرافيا والدين والمصالح الاستراتيجية.
ومن هذا المنظور، يأتي بلاغ الديوان الملكي الصادر يوم 26 شتنبر 2026، بشأن البرقيتين اللتين بعث بهما جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، إلى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وإلى ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، على إثر الاعتداءات المتكررة التي تشنها الميليشيات الحوثية على المملكة العربية السعودية.
إنها رسالة واضحة لا تحتمل التأويل: المغرب لا يقف متفرجاً عندما تُستهدف المملكة العربية السعودية، ولا يقبل أن تتحول المنطقة إلى ساحة مفتوحة للعبث بأمن الدول وسيادتها واستقرار شعوبها.
والأخطر من استهداف المنشآت والمدن والمناطق السكنية، أن تمتد محاولات الاعتداء إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، أي إلى أقدس الأماكن في وجدان المسلمين. وهنا لا يتعلق الأمر بخلاف سياسي عابر، ولا بصراع يمكن تبريره بالشعارات، وإنما بمساس بمقدسات يجلّها المسلمون في مختلف أنحاء العالم.
لقد كان موقف جلالة الملك محمد السادس صريحاً وقوياً عندما أكد أن هذه الاعتداءات لا تمس السعودية وشعبها وضيوف الرحمن فحسب، بل تمس مشاعر أكثر من مليار وثمانمائة مليون مسلم، كما أكد أن استهداف المدنيين والمنشآت والمواقع المقدسة يمثل خرقاً للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني.
وهنا تحديداً تظهر قوة الرسالة الملكية.
فالمغرب لا يتحدث من موقع الانفعال، وإنما من موقع المسؤولية السياسية والاستراتيجية والدينية؛ ولذلك لم يكتف جلالة الملك بالتعبير عن التضامن، بل وضع الاعتداءات في إطارها القانوني والدولي، مستحضراً قراري مجلس الأمن 2216 و2722، ومؤكداً أن مثل هذه الأفعال لا ينبغي أن تمر دون محاسبة.
أما العبارة التي ستبقى عنواناً لهذا الموقف الملكي، فهي بكل وضوح:
«أمن واستقرار المملكة العربية السعودية… جزء لا يتجزأ من أمن المملكة المغربية، وإن أي اعتداء على السعودية هو اعتداء على المغرب».
هذه ليست عبارة للاستهلاك الإعلامي.
إنها تختصر عمق العلاقات المغربية السعودية، وتؤكد أن الرباط تنظر إلى أمن الخليج باعتباره جزءاً من منظومة أمنها الاستراتيجي، وأن الدفاع عن سيادة دول الخليج ومصالحها العليا يدخل، وفق الموقف الملكي، في إطار المصالح المشتركة بين المملكة المغربية وأشقائها الخليجيين.
أما الحوثيون ومن يقف خلفهم، فليدركوا أن العبث بأمن السعودية ليس لعبة بلا ثمن، وأن الاقتراب من مكة والمدينة خط أحمر يتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة إلى وجدان أمة بأكملها.
فالمقدسات ليست أهدافاً عسكرية، والمدنيون ليسوا أهدافاً مشروعة، وسيادة الدول ليست ورقة للمساومة، وأمن الملاحة الدولية ليس مجالاً لتصفية الحسابات الإقليمية.
إن المغرب، من خلال رسالة جلالة الملك، قالها بوضوح: مع المملكة العربية السعودية، في السراء والضراء، وفي مواجهة كل ما يهدد أمنها واستقرارها ومقدساتها.
وهذا الموقف ليس جديداً في السياسة المغربية، بل يندرج ضمن توجه ثابت في العلاقات المغربية الخليجية، يقوم على التضامن واحترام السيادة والدفاع عن الاستقرار الإقليمي والمصالح الاستراتيجية المشتركة.
وإذا كان البعض يعتقد أن إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة يمكن أن يصنع نفوذاً أو يفرض معادلات جديدة، فإن التاريخ يقول إن الدول لا تُبنى بالصواريخ، ولا تُحمى المقدسات بالميليشيات، ولا تُفرض الشرعية بالقوة المسلحة.
ومن هنا، فإن بيتنا الآن تنوه بالموقف الملكي المغربي، وتعتبر التضامن مع المملكة العربية السعودية في هذه الظروف ترجمة صادقة لعمق الأخوة المغربية السعودية، وللروابط الدينية والتاريخية والاستراتيجية التي تجمع البلدين والشعبين الشقيقين.
السعودية ليست وحدها… والمغرب قال كلمته.
وفي السياسة، كما في التاريخ، هناك مواقف تُنسى، وهناك مواقف تُسجل.
وموقف المغرب من أمن السعودية ومقدسات المسلمين من المواقف التي تُكتب بماء التاريخ، لا بحبر البيانات.