من مراكش والدار البيضاء إلى رئاسة الحكومة الإسرائيلية.. غادي آيزنكوت أمام اختبار العلاقات مع المغرب والصحراء وفلسطين

 

بيتنا الآن – قراءة سياسية واستراتيجية

لم يعد اسم غادي آيزنكوت مجرد اسم جديد في معادلة التنافس السياسي الإسرائيلي، بعدما أعلن الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ عزمه تكليفه بتشكيل الحكومة المقبلة، إثر حصوله على توصية 67 نائباً من أصل 120 عضواً في الكنيست، مقابل 46 نائباً أوصوا ببنيامين نتنياهو.

إننا أمام تطور سياسي يحمل أكثر من دلالة، خصوصاً أن آيزنكوت ينحدر من عائلة يهودية مغربية، فوالده من مواليد مدينة مراكش، ووالدته من مواليد الدار البيضاء، وهي جذور تجعل اسمه يحظى باهتمام خاص في المغرب، بالنظر إلى الامتداد التاريخي والإنساني الذي يجمع المملكة بالجالية اليهودية ذات الأصول المغربية.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل يمكن أن تتحول هذه الجذور المغربية إلى رافعة سياسية ودبلوماسية لتطوير العلاقات بين الرباط وتل أبيب؟

أولاً: الجذور المغربية.. علاقة تاريخية أم رصيد دبلوماسي؟

لا يمكن فصل أصول آيزنكوت المغربية عن التاريخ العريق لليهود المغاربة، الذين شكلوا جزءاً من النسيج الحضاري والاجتماعي للمملكة عبر قرون.

وقد ظلت الروابط بين العرش العلوي واليهود المغاربة إحدى الخصوصيات التاريخية للمغرب، وهي روابط أكدها جلالة الملك محمد السادس في مناسبات متعددة.

غير أن الانتماء إلى أصول مغربية لا يعني بالضرورة تبني مواقف سياسية تخدم المصالح المغربية. فالمعيار الحقيقي لأي مسؤول يتولى قيادة الحكومة الإسرائيلية سيكون مواقفه وقراراته الرسمية، وليس جذوره العائلية وحدها.

ثانياً: الصحراء المغربية.. الاختبار الحقيقي أمام الحكومة المقبلة

يأتي هذا التطور في وقت تعرف فيه قضية الصحراء المغربية تحولات دبلوماسية مهمة، خاصة بعد قرار إسرائيل، الذي أُبلغ إلى جلالة الملك محمد السادس في رسالة من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بتاريخ 17 يوليوز 2023، والقاضي بالاعتراف بسيادة المملكة على صحرائها.

إن هذا الاعتراف يشكل محطة مهمة في مسار العلاقات الثنائية، كما أن الرسالة الإسرائيلية تضمنت بحث إمكانية فتح قنصلية بمدينة الداخلة.

ومن هنا، فإن السؤال المطروح أمام آيزنكوت، في حال نجاحه في تشكيل الحكومة، هو ما إذا كانت حكومته ستواصل الالتزام بهذا الموقف الرسمي، وستعمل على ترجمة الاعتراف إلى خطوات دبلوماسية وعملية.

فبالنسبة للمغرب، قضية الصحراء ليست موضوعاً للمساومة السياسية، وإنما قضية سيادة ووحدة ترابية، وأي تطور في العلاقات الثنائية سيظل مرتبطاً باحترام هذا الثابت الوطني.

ثالثاً: العلاقات المغربية الإسرائيلية.. المصالح الاستراتيجية فوق الحسابات الشخصية

منذ الإعلان الثلاثي الموقع بالرباط في 22 دجنبر 2020، دخلت العلاقات المغربية الإسرائيلية مرحلة جديدة، شملت استئناف العلاقات الدبلوماسية وإعادة تفعيل قنوات التواصل والتعاون.

وقد ارتبط هذا المسار باعتبارات متعددة، من بينها المصالح الاقتصادية والتكنولوجية والأمنية، فضلاً عن الروابط الإنسانية والثقافية بين البلدين.

لكن المرحلة المقبلة قد تفرض مراجعة دقيقة لمستقبل هذه العلاقة، خصوصاً في ظل التغيرات السياسية داخل إسرائيل، والتحديات الإقليمية التي تعرفها منطقة الشرق الأوسط.

وإذا كان آيزنكوت قد أمضى سنوات طويلة في المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، وتولى رئاسة الأركان ما بين 2015 و2019، فإن خلفيته العسكرية والسياسية تجعل من الضروري متابعة توجهاته الفعلية تجاه التعاون مع المغرب.

فالرباط لا تحتاج إلى وعود مرتبطة بالأصول العائلية، وإنما إلى مواقف واضحة والتزامات رسمية تحترم المصالح العليا للمملكة.

رابعاً: القضية الفلسطينية.. الامتحان السياسي والأخلاقي للعلاقات الإقليمية

لا يمكن تناول مستقبل العلاقات المغربية الإسرائيلية دون التوقف عند القضية الفلسطينية، التي تظل إحدى القضايا المركزية في السياسة الخارجية المغربية.

فالمغرب، بقيادة جلالة الملك محمد السادس، رئيس لجنة القدس، ظل يؤكد دعمه للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وإقامة دولته المستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، مع الحفاظ على الوضع القانوني والتاريخي للمدينة المقدسة.

ومن هذا المنطلق، فإن أي حكومة إسرائيلية جديدة ستكون مطالبة بمراجعة كيفية التعامل مع تداعيات الحرب في غزة، ومستقبل التسوية السياسية، والحقوق الفلسطينية.

كما أن الخلفية العسكرية لآيزنكوت، ومشاركته السابقة في مجلس الحرب الإسرائيلي، تجعل تقييم مواقفه من هذه الملفات أمراً ضرورياً، بعيداً عن الأحكام المسبقة أو الرهان على التغيير في الأشخاص وحده.

المغرب يراقب.. والقرارات هي الفيصل

إن تكليف غادي آيزنكوت بتشكيل الحكومة، بعد حصوله على توصية 67 نائباً، لا يعني أن الطريق إلى رئاسة الحكومة أصبح معبداً، إذ يتعين عليه أولاً بناء ائتلاف برلماني قادر على نيل ثقة الكنيست.

ومع ذلك، فإن هذا التطور يفتح نافذة جديدة لمراقبة مستقبل السياسة الإسرائيلية، ومدى انعكاس التغيير المحتمل على العلاقات مع المغرب.

إن المملكة المغربية، بما تمتلكه من رصيد تاريخي ودبلوماسي ومكانة إقليمية، تتعامل مع الدول وفق المصالح والالتزامات والمواقف الرسمية، لا وفق الأصول والأنساب.

وقد تكون الجذور المغربية لآيزنكوت مدخلاً إنسانياً ورمزياً للتواصل، لكنها لن تكون بديلاً عن المواقف السياسية الواضحة، وفي مقدمتها احترام الوحدة الترابية للمملكة، وتطوير التعاون الثنائي، وعدم تجاهل الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

فهل يكون آيزنكوت، ابن العائلة ذات الجذور المغربية، عنواناً لمرحلة جديدة في العلاقات بين الرباط وتل أبيب؟ أم أن حسابات السياسة وموازين المصالح ستظل أقوى من روابط التاريخ والجغرافيا؟

الأيام المقبلة، وما ستفرزه مشاورات تشكيل الحكومة، هي وحدها الكفيلة بالإجابة عن هذا السؤال.

بيتنا الآن.. الخبر مقدس والتعليق حر.

شاهد أيضا

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد