ليس كل من حمل ميكروفوناً صحفياً أصبح صحافياً، وليس كل من اعتلى منصة ندوة صحفية يحق له أن ينصّب نفسه وصياً على المسؤولين، أو أن يحوّل الأسئلة الصحفية إلى مناسبة لاستعراض العضلات اللفظية وتوزيع الأوصاف والنعوت التي لا تليق لا بصاحبها ولا بالمؤسسة الإعلامية التي ينتسب إليها.
الصحافة أخلاق قبل أن تكون مهنة، ومسؤولية قبل أن تكون هواية، وثقافة وتكوين ورصيد من المهنية قبل أن تصبح احترافاً. أما أن يتحول هذا المجال إلى ملاذ لكل من وجد في الميكروفون وسيلة للاسترزاق، أو في إثارة الجدل طريقاً إلى لفت الانتباه، فتلك إساءة حقيقية إلى مهنة المتاعب وإلى الصحافيين الذين أفنوا سنوات من عمرهم في سبيل الدفاع عن شرف الكلمة ونبل الرسالة الإعلامية.
وما وقع خلال الندوة الصحفية الأسبوعية للناطق الرسمي باسم الحكومة يستحق التوقف عنده، بل يستدعي نقاشاً مهنياً وأخلاقياً مسؤولاً. فهذه الندوة ليست مجرد لقاء عابر، وإنما أصبحت تقليداً مؤسساتياً للتواصل مع ممثلي وسائل الإعلام، وإطلاع الرأي العام على مستجدات العمل الحكومي ومخرجات المجلس الحكومي.
لكن المؤسف أن بعض التدخلات التي يفترض أن تعكس مستوى مهنياً وثقافياً يليق بالمنبر الصحفي، تنزلق أحياناً إلى استعمال عبارات وأوصاف لا تخدم لا السؤال ولا النقاش العمومي. والأكثر إثارة للاستغراب أن يصل الأمر إلى وصف قرار أو إجراء اتخذه وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار بعبارة «الساقط»، في سياق لا يراعي مقام المسؤول الحكومي ولا طبيعة النقاش المؤسساتي الذي يفترض أن يسود مثل هذه اللقاءات.
ولنكن واضحين: لا أحد فوق النقد، ولا وزير مهما علت مكانته معفى من المساءلة الصحفية، ولا الحكومة تملك حصانة ضد الأسئلة المحرجة. بل إننا في جريدة «بيتنا الآن» نعتبر أن الصحافة الجادة هي التي تطرح الأسئلة الصعبة، وتكشف الاختلالات، وتراقب تدبير الشأن العام، دون خوف أو تردد. لكن هناك فرقاً شاسعاً بين النقد المهني والتطاول اللفظي، وبين السؤال الصحفي الجريء والعبارات التي تفتقر إلى الحد الأدنى من اللياقة والاحترام.
إن الوزير، في نهاية المطاف، مسؤول عن قراراته وتدبيره، ومن حق الصحافة أن تحاسبه على ذلك، لكن الاختلاف مع قرار وزاري لا يبرر الانزلاق إلى لغة لا تليق بمؤسسة حكومية ولا بمنبر إعلامي. فالصحافي الذي لا يستطيع صياغة سؤال قوي ومحكم بلغة مهنية، لا ينبغي أن يعوض ضعف السؤال بعبارات مستفزة أو أوصاف مجانية.
وهنا نطرح السؤال الذي لا ينبغي أن يظل معلقاً: أين المجلس الوطني للصحافة من مثل هذه الممارسات؟ وما موقفه من السلوكات التي تسيء إلى صورة الصحافي المغربي، وتخلط بين حرية التعبير وغياب الضوابط المهنية والأخلاقية؟
إننا لا ندعو إلى تكميم الأفواه، ولا إلى فرض الوصاية على الصحافيين، وإنما ندعو إلى حماية المهنة من الداخل، وإعادة الاعتبار لأخلاقياتها، والتذكير بأن بطاقة الصحافة ليست صكاً للترخيص في الإساءة، وأن الميكروفون ليس سلاحاً للانتقام اللفظي، وأن المنابر الصحفية ليست ساحات لتصفية الحسابات أو استعراض العبارات.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب الصحافة ليس تضييق الخناق عليها من الخارج فحسب، بل أن تساهم بعض الممارسات الصادرة من داخلها في هدم صورتها ومصداقيتها أمام المواطنين والمؤسسات.
اللهم لا تجعلوا من الصحافة جنازة لأخلاقيات المهنة! فإذا كان كل من أمسك ميكروفوناً أو جلس أمام مسؤول يعتقد أنه أصبح صحافياً، فماذا تركنا لأصحاب التكوين والكفاءة والنزاهة والاستقلالية؟
وختاماً، نقولها دون مواربة: الصحافة مهنة شريفة لا تحتمل الدخلاء على أخلاقياتها، وحرية التعبير لا تعني حرية الانفلات، والجرأة ليست مرادفاً للوقاحة. فمن أراد أن يمارس سلطة الكلمة، فعليه أولاً أن يعرف قيمة الكلمة وحدود المسؤولية التي يحملها.
فإما صحافة تحترم نفسها وتحترم قراءها، وإما أن نترك الميكروفونات لمن يعتقدون أن رفع الصوت دليل على امتلاك الحقيقة!
هيئة تحرير جريدة بيتنا الآن