هل أصبحت مناصب المسؤولية داخل الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية كراسٍ أبدية؟

لم تعد الاختلالات التي تعيشها الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية مجرد ملاحظات عابرة أو انتقادات ظرفية، بل أصبحت موضوع تساؤلات حقيقية داخل أوساط المهنيين والموظفين والمتابعين للشأن الإداري. فالمؤسسة التي يفترض أن تكون نموذجاً في الحكامة والشفافية، بالنظر إلى الدور الاستراتيجي الذي تلعبه في تأمين الملكية العقارية وضبط المعاملات المرتبطة بها، باتت اليوم تعيش على وقع اختلالات تطرح أكثر من علامة استفهام حول طريقة تدبيرها، خصوصاً في ما يتعلق بالموارد البشرية واللوجستيك والتواصل.

مناصب المسؤولية… حين تتحول إلى كراسٍ دائمة

أولى هذه الاختلالات تتجلى في الطريقة التي يتم بها تدبير مناصب المسؤولية داخل الوكالة. فبدل أن تكون هذه المناصب خاضعة لمنطق التداول والتباري وتكافؤ الفرص، كما تقتضيه قواعد الحكامة الحديثة، يبدو أن بعضها تحول إلى ما يشبه “المناصب الدائمة”.

ففي الوقت الذي حددت فيه عدة توجيهات إصلاحية داخل الإدارة المغربية مدة زمنية معقولة لشغل مناصب المسؤولية، لا تزال بعض الحالات داخل الوكالة تثير الكثير من الجدل. فهناك مدير مركزي ظل يشغل منصبه لما يقارب عشر سنوات، دون أن تلوح في الأفق أي بوادر لفتح باب المنافسة أو التداول على هذا الموقع الحساس. وهو وضع يثير تساؤلات مشروعة حول أسباب هذا الاستمرار الطويل، خصوصاً في مؤسسة تزخر بكفاءات عليا وأطر مؤهلة تنتظر فرصتها لتولي المسؤولية.

ولا تقف التساؤلات عند هذا الحد، بل تمتد إلى حالة مسؤول آخر قدم من قطاع حكومي آخر، وظل يمارس مهامه داخل الوكالة لما يقارب عقدين من الزمن. وهو ما يفتح الباب واسعاً أمام التساؤل: إلى متى سيظل منطق الاحتفاظ بالمناصب نفسها سائداً داخل مؤسسة يفترض أن تكون رافعة للتحديث الإداري؟

مسؤوليات إدارية وأسئلة معلقة

إن استمرار هذه الوضعيات لسنوات طويلة يضع أكثر من علامة استفهام أمام طريقة تدبير الموارد البشرية داخل الوكالة. فالمؤسسات العمومية الحديثة تقوم على مبدأ التداول على المسؤولية، وعلى فتح المجال أمام الكفاءات لتجديد الدماء داخل الإدارة، وليس على تكريس واقع إداري جامد تتحول فيه المناصب إلى امتيازات شبه دائمة.

كما أن طول مدة بقاء بعض المسؤولين في مواقع القرار يطرح إشكالاً آخر يتعلق بمدى احترام روح الإصلاحات الإدارية التي عرفها المغرب خلال العقدين الأخيرين، والتي قامت أساساً على ترسيخ مبادئ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.

صمت يثير الاستغراب

الأكثر إثارة للانتباه في هذه الوضعية هو حالة الصمت التي تحيط بهذه الملفات داخل المؤسسة. فغياب التواصل الواضح حول معايير التعيين والتجديد في مناصب المسؤولية يترك المجال واسعاً أمام التأويلات والتساؤلات، ويخلق شعوراً متزايداً لدى عدد من الأطر بأن مسار الترقي المهني داخل الوكالة لم يعد مرتبطاً دائماً بالكفاءة والاستحقاق.

إن مؤسسة بحجم وأهمية الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بتوضيح الصورة، وإرساء قواعد شفافة في تدبير مناصب المسؤولية، بما يضمن تكافؤ الفرص ويعيد الثقة داخل المؤسسة.

ظروف عمل تطرح علامات استفهام

ولا تتوقف مظاهر الاختلال عند حدود تدبير المسؤوليات، بل تمتد أيضاً إلى ظروف العمل التي يشتغل فيها عدد من الأطر والموظفين. فبعض المصالح ما تزال تشتغل داخل بنايات وتجهيزات لا ترقى إلى مستوى مؤسسة تعتبر من أعمدة الإدارة العقارية في البلاد.

إن الحديث عن تحديث الإدارة لا يمكن أن يظل مجرد شعارات، بل يجب أن يترجم على أرض الواقع من خلال تحسين ظروف العمل، وتحديث البنيات التحتية، وتوفير الوسائل اللوجستيكية الكفيلة بتمكين الموظفين من أداء مهامهم في ظروف مهنية وإنسانية لائقة.

سؤال الإصلاح

اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، يطرح سؤال الإصلاح داخل الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية نفسه بإلحاح. فالمؤسسة التي تلعب دوراً محورياً في الأمن العقاري وفي مواكبة الاستثمار تحتاج إلى نفس إصلاحي جديد يعيد الاعتبار لقواعد الحكامة الجيدة، ويضمن التداول على المسؤولية، ويمنح الكفاءات داخلها المكانة التي تستحقها.

إن الرهان الحقيقي ليس في الدفاع عن وضع قائم، بل في الجرأة على تصحيح الاختلالات وفتح صفحة جديدة في تدبير مؤسسة تعد من بين أهم المؤسسات العمومية في المغرب.

ولنا عودة للحديث عن أوضاع الأطر والمستخدمين وظروف العمل داخل الوكالة…

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد