الرباط: حسن الخلقي
أثار إعلان تعيين مجتبى خامنئي مرشداً أعلى لإيران خلفاً لوالده علي خامنئي، بعد مقتله في غارة منسوبة إلى القوات الجوية الإسرائيلية على العاصمة طهران، موجة واسعة من الجدل السياسي والدستوري داخل إيران وخارجها. فالتطور المفاجئ لا يتعلق فقط بتغيير رأس هرم السلطة في الجمهورية الإسلامية، بل يطرح أسئلة عميقة حول طبيعة النظام نفسه: هل ما زال نظام “ولاية الفقيه” قائماً على الشرعية الدينية، أم أنه بدأ يتحول تدريجياً إلى نظام مغلق تحكمه شبكات السلطة والنفوذ؟
انتقال السلطة بين الشرعية الدينية والاتهام بالوراثة
من الناحية النظرية، يفترض أن يتم اختيار المرشد الأعلى عبر مجلس خبراء القيادة، وهو هيئة دينية مكونة من فقهاء مكلفين دستورياً بتعيين المرشد ومراقبة أدائه. غير أن الطريقة التي جرى بها تقديم اسم مجتبى خامنئي عززت الانطباع بأن القرار كان نتيجة توافق داخل دوائر ضيقة من رجال الدين والنخب الأمنية، وليس انعكاساً لإرادة المجتمع الإيراني.
وهنا يبرز انتقاد جوهري: كيف يمكن لنظام تأسس سنة 1979 على رفض الملكية الوراثية أن يجد نفسه اليوم أمام انتقال شبه عائلي للسلطة؟ فبالنسبة لعدد من المراقبين، يبدو أن “ولاية الفقيه” التي صاغها مؤسس الجمهورية الإسلامية روح الله الخميني بدأت تنزلق عملياً نحو نموذج أقرب إلى الحكم العائلي المغلف بشرعية دينية.
جدل حول المؤهلات الدينية
الانتقاد الثاني الذي رافق التعيين يتعلق بالبعد الفقهي. فالمعروف أن منصب المرشد الأعلى يتطلب مكانة دينية رفيعة داخل الحوزات العلمية الشيعية، وهو ما أثار تساؤلات حول مدى تأهيل مجتبى خامنئي مقارنة بكبار علماء الحوزة في قم أو النجف.
ويقول منتقدو هذا الخيار إن الرجل لا يُعرف بكونه من كبار الفقهاء أو من الأسماء اللامعة في الدراسات الحوزوية، الأمر الذي يضعف – في نظرهم – الأساس الديني الذي يقوم عليه المنصب. ولهذا رأى البعض أن استبعاد شخصيات دينية بارزة من الصف الأول يعكس تحوّلاً في ميزان القوة داخل النظام الإيراني، حيث بات العامل الأمني والسياسي يتقدم على الاعتبار الفقهي التقليدي.
نفوذ الحرس الثوري
العامل الأكثر حضوراً في خلفية هذا التعيين هو الدور المتنامي لـ الحرس الثوري الإيراني. فالعلاقة الوثيقة بين مجتبى خامنئي وهذه المؤسسة العسكرية ـ الأمنية القوية ليست سراً، وقد سارع الحرس الثوري إلى إعلان ولائه للمرشد الجديد والتأكيد على تنفيذ أوامره.
هذا الدعم السريع يعكس، في نظر بعض المحللين، أن الحرس الثوري أصبح أحد الأعمدة الحاسمة في تحديد مسار السلطة في إيران، وربما الضامن الفعلي لاستقرار القيادة الجديدة في مرحلة توصف بأنها الأكثر حساسية في تاريخ الجمهورية الإسلامية.
تساؤلات حول الرسائل السياسية
في خضم هذا الجدل، برزت أيضاً روايات مثيرة للانتباه، من بينها الحديث عن امتلاك المرشد الجديد عقارات في لندن بالقرب من مقر السفارة الإسرائيلية في لندن، وهي معلومات تداولتها بعض الأوساط السياسية والإعلامية وأثارت علامات استفهام حول طبيعة العلاقات والدوائر التي تحيط بالرجل.
كما أضاف تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي قال إن المرشد الجديد “قد لا يبقى طويلاً في موقعه”، بعداً دولياً إضافياً للنقاش، إذ عكس حجم الترقب في واشنطن والعواصم الغربية لما قد تحمله المرحلة المقبلة من تغيرات داخل النظام الإيراني.
هل هي رسالة إلى المجتمع الدولي؟
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل يمثل هذا التعيين مجرد انتقال سريع للسلطة في لحظة أزمة، أم أنه يحمل رسالة أعمق إلى المجتمع الدولي؟
هناك من يرى أن طهران أرادت إرسال إشارة مفادها أن النظام ما زال متماسكاً وقادراً على إعادة إنتاج قيادته بسرعة رغم الضربات الخارجية. بينما يعتقد آخرون أن اختيار شخصية أقل حضوراً في المؤسسة الدينية وأكثر قرباً من الأجهزة الأمنية قد يعكس تحوّلاً تدريجياً في طبيعة السلطة داخل إيران، من “دولة الفقهاء” إلى “دولة المؤسسة الأمنية”
مهما كانت القراءة، فإن تعيين مجتبى خامنئي مرشداً أعلى يمثل لحظة مفصلية في تاريخ إيران الحديث. فهو لا يفتح فقط نقاشاً حول مستقبل “ولاية الفقيه”، بل يثير أيضاً تساؤلات أعمق حول شرعية النظام، ودور المؤسسة العسكرية، ومدى قدرة القيادة الجديدة على التوفيق بين الضغوط الداخلية والتحديات الدولية.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، يبقى السؤال الأهم: هل يشكل هذا التعيين بداية مرحلة جديدة في بنية السلطة الإيرانية، أم مجرد محاولة للحفاظ على توازنات نظام يواجه واحدة من أصعب لحظاته منذ قيام الجمهورية الإسلامية؟