“جريمة تنموية مكتملة الأركان: التلاعب بطريق فك العزلة يفضح عبث التدبير بجماعة هوارة أولاد رحو”

في الوقت الذي ترفع فيه الدولة المغربية شعار العدالة المجالية، وتؤكد التوجيهات الملكية السامية على ضرورة إنصاف العالم القروي وفك العزلة عنه، تطفو إلى السطح بين الفينة والأخرى ممارسات مقلقة تفرغ هذه البرامج من محتواها، وتجعلها مجرد شعارات على الورق. ومن بين هذه الحالات، ما تعيشه ساكنة جماعة هوارة أولاد رحو بإقليم جرسيف، حيث تحوم شبهات قوية حول التلاعب ببرنامج فك العزلة عن عدد من الدواوير، وعلى رأسها سهب الديب، مشيوة، والحسي الطويل.

القصة، كما يرويها ممثلو الساكنة من خلال عريضة موقعة ومدعمة بنسخ بطائق التعريف الوطنية، ليست مجرد تأخر عادي في إنجاز مشروع تنموي، بل تتعلق – حسب تعبيرهم – بتحويل “ممنهج” لمسار طريق قروية كانت مبرمجة سلفاً، بعد أن استوفت دراساتها التقنية ورُصد لها غلاف مالي. هذه الطريق، التي كان من المفترض أن تنطلق من النقطة الكيلومترية 12 على الطريق الوطنية رقم 6 الرابطة بين وجدة وسلا، كانت تمثل شريان حياة لفك العزلة عن مناطق ظلت لعقود تعاني التهميش.

غير أن المفاجأة الصادمة، بحسب ذات المصادر، هي اختفاء المشروع من أرض الواقع، مقابل حديث متداول عن تحويل وجهته خلال فترة تسيير الرئيس السابق للجماعة، الذي تم عزله بموجب حكم قضائي. وتذهب أصابع الاتهام إلى أن هذا التحويل لم يكن بريئاً، بل خضع لمنطق “الدوائر الانتخابية” وإعادة توجيه المشاريع لخدمة مناطق بعينها على حساب أخرى.

لكن المسؤولية، وفق نفس الطرح، لا تقف عند حدود الماضي، بل تمتد إلى الحاضر، حيث يُسائل المواطنون الرئيس الحالي للجماعة عن سبب عدم إعادة إدراج المشروع ضمن أولويات برنامج فك العزلة، رغم الحاجة الملحة إليه، واستمرار معاناة الساكنة مع المسالك الوعرة، خاصة في الحالات الاستعجالية التي تمس النساء الحوامل، والتلاميذ، والفلاحين.

هذا الوضع يطرح أكثر من علامة استفهام حول حكامة تدبير المشاريع العمومية على المستوى المحلي. فهل نحن أمام اختلالات إدارية وتقنية؟ أم أن الأمر يتعلق فعلاً بتغليب الحسابات السياسية الضيقة على حساب المصلحة العامة؟ وهل يعقل أن يتم تحويل مشروع مهيكل دون محاسبة أو توضيح رسمي للرأي العام؟

إن خطورة هذه القضية لا تكمن فقط في حرمان ساكنة بأكملها من حقها في الولوج إلى البنيات التحتية الأساسية، بل في كونها تضرب في العمق مصداقية البرامج العمومية، وتُفقد المواطن الثقة في المؤسسات المنتخبة. فبرامج فك العزلة ليست امتيازاً يمنح أو يُسحب وفق الولاءات، بل هي حق دستوري مرتبط بالكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية.

وفي ظل هذه المعطيات، يبرز دور مؤسسات الحكامة والرقابة، وعلى رأسها المجلس الأعلى للحسابات والمفتشية العامة للإدارة الترابية، اللتين يُنتظر منهما فتح تحقيق معمق لتحديد المسؤوليات وترتيب الجزاءات، إن ثبت وجود تلاعب أو سوء تدبير.

كما أن وزارة الداخلية، باعتبارها الجهة الوصية على الجماعات الترابية، مطالبة بتقديم توضيحات للرأي العام، واتخاذ ما يلزم من إجراءات لضمان احترام مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وعدم الإفلات من العقاب.

إن ما تطالب به ساكنة سهب الديب ومحيطها ليس أكثر من حقها المشروع في طريق يفك عنها العزلة، ويعيد لها بعضاً من كرامتها. وبين خطاب التنمية وواقع الممارسة، يبقى السؤال معلقاً: إلى متى ستظل معاناة العالم القروي ورقة في لعبة التوازنات الانتخابية؟

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد