حين تتحول الأسرة إلى فضاء للعنف: جريمة دوار الكطاف بجرسيف تفضح أعطابًا أعمق
لم تكن الجريمة التي هزّت دوار الكطاف، التابع لقيادة تادارت بدائرة تادارت إقليم جرسيف، صباح الجمعة 17 أبريل 2025، مجرد واقعة معزولة يمكن إدراجها في خانة “الحوادث المعزولة” التي سرعان ما تُطوى صفحاتها. بل هي جرس إنذار مدوٍّ يكشف عن تصدعات عميقة داخل البنية الاجتماعية، ويطرح أسئلة محرجة حول واقع العنف الأسري، والهشاشة النفسية، وغياب سياسات وقائية ناجعة.
أن يُقدم شاب في مقتبل العمر على إنهاء حياة والدته، فذلك يختزل حجم الانفلات القيمي والنفسي الذي يمكن أن تبلغه بعض الحالات داخل المجتمع. هي ليست فقط جريمة “في حق الأصول” كما يصفها القانون، بل هي أيضًا انهيار لعلاقة إنسانية يفترض أنها الأكثر قداسة وحماية. هذا الانهيار لا يحدث فجأة، بل غالبًا ما يكون نتيجة تراكمات صامتة: توترات أسرية، ضغوط اجتماعية، هشاشة اقتصادية، وربما اضطرابات نفسية لم تجد طريقها إلى التشخيص أو المواكبة.
المقلق في مثل هذه الوقائع ليس فقط فظاعتها، بل تكرارها في سياقات مختلفة، ما يكشف عن خلل بنيوي في منظومة الرصد والتدخل المبكر. فكم من حالات احتقان داخل الأسر تمر دون انتباه؟ وكم من شباب يعيشون عزلة نفسية أو اضطرابات سلوكية دون مواكبة حقيقية من مؤسسات الصحة أو التعليم أو حتى المجتمع المدني؟
إن الاقتصار على المعالجة الأمنية والقضائية، رغم ضرورتها، لا يكفي. فاعتقال الجاني وفتح تحقيق تحت إشراف النيابة العامة، كما وقع في هذه القضية، يظل خطوة لاحقة، تأتي بعد وقوع الفاجعة، ولا تمنع تكرارها. المطلوب اليوم هو إعادة التفكير في السياسات العمومية المرتبطة بالصحة النفسية، التي لا تزال تعاني من نقص حاد في الموارد والبنيات، خاصة في العالم القروي، حيث تغيب خدمات الدعم النفسي والاجتماعي بشكل شبه تام.
كما أن المدرسة، التي يفترض أن تكون فضاءً لاكتشاف بوادر الانحراف أو الاضطراب، تجد نفسها عاجزة في ظل الاكتظاظ وضعف التأطير، عن لعب هذا الدور الوقائي. أما الأسرة، التي يفترض أن تكون الحصن الأول، فهي بدورها تعيش تحت ضغط التحولات الاقتصادية والاجتماعية، ما يجعلها في كثير من الأحيان عاجزة عن احتواء أبنائها.
جريمة دوار الكطاف ليست فقط مأساة إنسانية، بل هي مرآة تعكس واقعًا يحتاج إلى مراجعة جذرية. فالمجتمع الذي لا يستثمر في الصحة النفسية، ولا يوفر آليات الإنصات والدعم، ولا يواكب تحولات شبابه، يظل عرضة لمثل هذه الانفجارات المأساوية.
إنها دعوة صريحة لعدم الاكتفاء بصدمة اللحظة، بل لتحويلها إلى منطلق لنقاش عمومي حقيقي حول العنف الأسري، والصحة النفسية، ودور الدولة والمجتمع في الوقاية قبل العقاب. لأن أخطر ما في هذه الجرائم، ليس وقوعها فقط، بل أن نعتاد عليها.