من قلب الأقاليم الصحراوية، لا تُسمع اليوم خطابات السياسيين بقدر ما يُسمع صوت صناديق الاقتراع.
فمع بلوغ نسبة المشاركة، إلى حدود منتصف النهار، أكثر من 30 في المائة في عدد من الأقاليم الجنوبية، تبدو الساعات المتبقية قبل إغلاق مكاتب التصويت مفتوحة على ارتفاع إضافي في نسبة الإقبال، في مشهد انتخابي يذكّر بما سجلته الأقاليم الجنوبية خلال استحقاقات 2021، حين بلغت المشاركة 66.94% بجهة العيون–الساقية الحمراء، و63.76% بجهة كلميم–واد نون، و58.30% بجهة الداخلة–وادي الذهب.
ولأن الصندوق الانتخابي هو أبلغ منبر عندما يتعلق الأمر بإرادة المواطنين، فإن مشاركة أبناء الأقاليم الصحراوية لا تحتاج إلى كثير من التأويلات ولا إلى بيانات مضادة ولا إلى حملات إعلامية من هنا وهناك.
المواطن الصحراوي الذي يتوجه إلى مكتب التصويت، ويدلي بصوته، ويمارس حقه الانتخابي داخل المؤسسات التي يديرها أبناء هذه الأقاليم، يقدم فعلاً سياسياً ومدنياً قابلاً للملاحظة والقياس.
وهنا تحديداً تكمن أهمية المشهد.
فمن يريد أن يعرف علاقة سكان الأقاليم الجنوبية بالدولة المغربية، عليه أن ينظر إلى حجم المشاركة، وإلى حضور المواطنين في المؤسسات المنتخبة، وإلى ممارسة الحقوق السياسية على أرض الواقع، لا إلى الشعارات التي تُرفع خارج المنطقة ولا إلى القراءات التي تُكتب بعيداً عن صناديق الاقتراع.
لقد سبق أن سجلت انتخابات 2021 مشاركة مرتفعة جداً في الأقاليم الجنوبية، وكانت هذه الأرقام موضع إبراز في تقارير وتصريحات رسمية باعتبارها مؤشراً على انخراط سكان المنطقة في العملية الانتخابية ضمن مؤسسات المملكة.
واليوم، تأتي انتخابات 23 شتنبر 2026 لتعيد طرح السؤال نفسه بطريقة أكثر مباشرة:
هل سيترك الصحراويون صناديق الاقتراع فارغة؟
المشهد الذي يتشكل منذ الصباح يقول إن الجواب، حتى الآن، هو العكس.
إن استمرار الإقبال خلال الساعات المتبقية، وارتفاع المشاركة قبل إغلاق المكاتب، سيكونان بلا شك من أبرز مؤشرات هذا الاستحقاق، خصوصاً إذا اقتربت النتائج النهائية أو تجاوزت المستويات المرتفعة المسجلة في انتخابات 2021.
أما أولئك الذين جعلوا من مقاطعة الانتخابات شعاراً سياسياً، فالصندوق وحده هو الذي يجيب عنهم.
فالمقاطعة موقف سياسي مشروع يمكن لأي مواطن أن يتبناه، لكن الإقبال الواسع على التصويت يثبت أن هناك شريحة كبيرة من المواطنين اختارت المشاركة والتأثير في المؤسسات عبر ورقة التصويت.
وهنا لا يتعلق الأمر بتأييد حزب دون آخر، ولا بتمجيد مرشح على حساب منافسه؛ فالانتخابات في جوهرها منافسة بين برامج وأسماء، والناخب وحده يملك الكلمة داخل المعزل الانتخابي.
لكن الرسالة الأوضح اليوم هي أن الصحراء المغربية لا تُقرأ فقط من خلال الخرائط والبيانات الدبلوماسية، وإنما أيضاً من خلال ممارسة سكانها لحقوقهم السياسية والمدنية على أرض الواقع.
إنها صورة أخرى من صور حضور الدولة ومؤسساتها في الحياة اليومية للمواطنين.
ومن هنا تقول «بيتنا الآن»:
دعوا الصندوق يتحدث.
فإذا ارتفعت المشاركة في الأقاليم الجنوبية خلال الساعات المقبلة، فإن الأرقام النهائية ستكون هي الوثيقة الأهم، وهي التي ينبغي أن تُقرأ بهدوء ومسؤولية بعيداً عن المزايدات.
أما نحن، فنقول إن المغربية لا تحتاج إلى الصراخ حين تتكلم صناديق الاقتراع.
واليوم، في الأقاليم الصحراوية، الصناديق تتكلم.