الوساطة التي لا تُعلن… المغرب يتكلم بصمت والخليج يسمع

في السياسة، هناك من يكثر الكلام حتى لا يُنجز شيئاً، وهناك من ينجز الكثير ولا يحتاج إلى أن يخبر العالم بكل ما يفعل.

وهنا بالضبط تكمن إحدى سمات الدبلوماسية المغربية في عهد جلالة الملك محمد السادس نصره الله: العمل أولاً… والكلام حين يصبح ضرورياً.

اليوم، وبينما تعيش منطقة الخليج واحدة من أكثر مراحلها حساسية، جاءت إشارات التقارب السعودي الإماراتي لتفتح صفحة جديدة في العلاقة بين الرياض وأبوظبي، بعد أشهر من التوتر والخلافات التي بلغت مستويات غير مسبوقة.

ففي 29 شتنبر، وصل الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس دولة الإمارات، إلى الرياض في زيارة وصفها الجانب الإماراتي بأنها “أخوية”، والتقى ولي العهد السعودي ورئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، بحضور وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان. وكان محور اللقاء العلاقات بين البلدين والتطورات الإقليمية.

صدفة؟ ربما. ولكن السياسة لا تقرأ الصدف وحدها، بل تقرأ السياق.

فهذا التقارب يأتي بعد الرسالتين اللتين بعث بهما جلالة الملك محمد السادس إلى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، واللتين حملتا موقفاً مغربياً واضحاً وحازماً في الوقوف إلى جانب المملكة العربية السعودية، خصوصاً في مواجهة الاعتداءات التي استهدفت أمنها ومنشآتها ومحاولات استهداف مكة المكرمة والمدينة المنورة.

وهنا تظهر قيمة الدبلوماسية الملكية الهادئة.

المغرب لا يحتاج إلى مؤتمرات صحافية يومية ليقول إنه موجود، ولا إلى تسريب كل خطوة يقوم بها ليبرهن أنه يتحرك. وفي ملفات من هذا الحجم، قد تكون الوساطة الحقيقية هي تلك التي لا تترك وراءها ضجيجاً إعلامياً.

جلالة الملك يعمل أكثر مما يتكلم.

وإذا كانت الأيام المقبلة ستؤكد أن التواصل المغربي كان أحد العوامل التي ساعدت على تقريب وجهات النظر بين الرياض وأبوظبي، فإن ذلك سيكون امتداداً لنهج مغربي اختار دائماً الحوار، وتقريب الأشقاء، والحفاظ على جسور التواصل بدل صب الزيت على النار.

لكن بيتنا الآن، وهي تكتب ذلك، تميز بين المعلومة المؤكدة والقراءة السياسية: لا توجد، إلى حدود ما نشر رسمياً، وثيقة سعودية أو إماراتية تعلن أن المغرب قاد وساطة مباشرة لإنهاء الخلاف السعودي الإماراتي. لذلك فإن الحديث عن “وساطة مغربية ناجحة” يبقى استنتاجاً سياسياً يستند إلى تزامن الرسالة الملكية مع عودة التواصل رفيع المستوى، وليس إعلاناً رسمياً عن وساطة مكتملة الأركان.

ومع ذلك، فإن المشهد الإقليمي يحمل مفارقة تستحق التوقف.

في الوقت الذي تتجه فيه الرياض وأبوظبي إلى إعادة فتح قنوات التواصل، اختارت الجزائر في 10 شتنبر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات.

وهكذا نجد المغرب يدفع، وفق نهجه المعلن، في اتجاه جمع الصف العربي وتقوية التضامن بين الدول الشقيقة، بينما دخلت الجزائر وأبوظبي في قطيعة دبلوماسية مفتوحة.

وهذه ليست مسألة ينبغي للمغرب أن يحتفل بها أو أن يشمت فيها أحد؛ لأن الخلافات العربية لا تخدم إلا خصوم الاستقرار العربي.

لكنها في الوقت نفسه تبرز الفرق بين دبلوماسية تبحث عن المساحات المشتركة، ودبلوماسية قد تجد نفسها أمام قطيعة حين تضيق مساحات الحوار.

والأهم أن المصالح الاستراتيجية في الخليج اليوم لم تعد تسمح بكثير من الترف السياسي.

الهجمات الحوثية التي استهدفت السعودية، والتوترات المتصاعدة في المنطقة، والتهديدات التي تطال أمن الطاقة والممرات البحرية، كلها تجعل عودة التنسيق السعودي الإماراتي مسألة تتجاوز حدود الخلاف الثنائي إلى الأمن الإقليمي برمته. وقد أشارت تقارير حديثة إلى أن الضغوط الأمنية المتزايدة كانت من العوامل التي دفعت باتجاه إعادة التواصل بين الرياض وأبوظبي.

ومن هنا يمكن فهم الرسالة الملكية المغربية أيضاً:

المغرب لا يريد خليجاً متخاصماً، بل خليجاً قوياً ومتضامناً.

فاستقرار المملكة العربية السعودية ليس شأناً سعودياً فقط، واستقرار الإمارات ليس شأناً إماراتياً فقط؛ بل إن أمن الخليج جزء من الأمن العربي، وأي شرخ داخل منظومة الدول العربية يترك فراغاً تستفيد منه قوى إقليمية ودولية أخرى.

أما جارتنا الجزائر، التي اختارت في سبتمبر قطع علاقاتها مع الإمارات، فإن عليها أن تدرك أن المنطقة تتغير بسرعة، وأن الاصطفافات لا تبقى ثابتة، وأن العلاقات الدولية لا تُدار بمنطق العناد الدائم.

فالدول الكبرى لا تبحث عن المزيد من الخصومات، وإنما عن المزيد من الشركاء.

وهنا يعود المغرب إلى الواجهة، لا بالصراخ، ولا بالمزايدات، ولا باستعراض الوساطات أمام الكاميرات.

بل بالعمل الهادئ.

الرباط تتحرك… والآخرون يتحدثون.

وإذا أثبتت الأيام أن اليد المغربية امتدت في الظل لتقريب الرياض وأبوظبي، فسيكون ذلك انتصاراً جديداً لدبلوماسية جلالة الملك محمد السادس: دبلوماسية لا تبحث عن التصفيق، ولا تحتاج إلى الأضواء، ولا تعلن كل ما تفعله.

ففي مدرسة محمد السادس الدبلوماسية، يبدو أن القاعدة هي:

أن تعمل كثيراً… وأن تتحدث قليلاً… وأن تترك للنتائج مهمة الكلام.

وهذه، في النهاية، هي الدبلوماسية التي تُقاس بما تحققه، لا بعدد المؤتمرات التي تعقدها.

بيتنا الآن ـ الخبر مقدس والتعليق حر.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد