انتهت ليلة الاقتراع، وبدأت ليلة الحساب السياسي.
فبعد انتخابات 23 شتنبر 2026، خرجت الخريطة البرلمانية الجديدة بأرقام تحمل أكثر من دلالة، وفي مقدمتها تصدر حزب الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعداً، متبوعاً بالتجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعداً، ثم حزب الاستقلال بـ65 مقعداً، فيما حل حزب العدالة والتنمية رابعاً بـ54 مقعداً، وفق النتائج المؤقتة التي أعلنتها وزارة الداخلية.
إنها خريطة مختلفة عن خريطة 2021، ليس فقط بسبب تغير ترتيب الأحزاب، وإنما لأن الأرقام الجديدة تجعل التحالفات ضرورة حسابية وسياسية، لا مجرد خيار تفاوضي.
فلا حزب من الأحزاب الأربعة الأولى يمتلك منفرداً الأغلبية المطلوبة داخل مجلس النواب، المحددة في 198 مقعداً من أصل 395. وبالتالي فإن الطريق إلى تشكيل الأغلبية الحكومية سيمر بالضرورة عبر التفاوض بين أكثر من مكون سياسي.
«
» أمام اختبار تصدر الانتخابات
حصول الأصالة والمعاصرة على 97 مقعداً يضعه في موقع متقدم داخل المشهد الجديد، ويجعل المرحلة المقبلة مرتبطة عملياً بكيفية ترجمة هذا التقدم الانتخابي إلى أغلبية حكومية.
لكن الرقم 97، مهما كان دالاً في ترتيب النتائج، لا يكفي وحده لتشكيل الحكومة.
وهنا تبدأ السياسة الحقيقية: من سيتحالف مع من؟ وبأي برنامج؟ وبأي هندسة حكومية؟
حسابات الأرقام تفتح عدة أبواب
رياضياً، فإن جمع مقاعد الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال يصل إلى 228 مقعداً، أي فوق عتبة الأغلبية المطلقة.
وهذا الرقم يلفت الانتباه بحكم أن الأحزاب الثلاثة نفسها شكلت، بعد انتخابات 2021، العمود الفقري للأغلبية الحكومية السابقة، التي ضمت التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال.
لكن خريطة 2026 ليست نسخة طبق الأصل عن خريطة 2021.
ففي هذه المرة، أصبح ترتيب الأحزاب مختلفاً، كما تغيرت موازين القوة داخل المعسكر الحكومي السابق، وأصبح حزب الأصالة والمعاصرة هو المتصدر، بينما حل التجمع الوطني للأحرار ثانياً والاستقلال ثالثاً.
ومن هنا، فإن أي مفاوضات مقبلة ستجري في ظل معادلة سياسية جديدة.
«البام» و«الأحرار»… 163 مقعداً
التحالف بين الحزبين الأول والثاني في النتائج يمنحهما 163 مقعداً، أي أنهما يحتاجان إلى 35 مقعداً إضافياً للوصول إلى الأغلبية المطلقة.
وهنا يصبح السؤال مفتوحاً أمام بقية الأحزاب: من يستطيع أن يوفر الرقم الذي ينقص هذه الثنائية؟
«البام» والاستقلال… 162 مقعداً
أما جمع مقاعد الأصالة والمعاصرة والاستقلال فيعطي 162 مقعداً، ما يعني الحاجة إلى 36 مقعداً إضافياً.
وهذه الحسابات تجعل من الاستقلال رقماً مهماً في هندسة الأغلبية، كما تجعل من باقي الأحزاب البرلمانية عناصر يمكن أن يكون لها حضور في مفاوضات تشكيل الحكومة.
الأحرار والاستقلال… 131 مقعداً
أما الجمع بين التجمع الوطني للأحرار والاستقلال، فينتج 131 مقعداً، وهو رقم يحتاج إلى 67 مقعداً إضافياً لبلوغ الأغلبية.
وهنا تصبح عملية بناء الأغلبية أكثر اتساعاً، وقد تتطلب إشراك أكثر من حزب ثالث.
وماذا عن العدالة والتنمية؟
وصول العدالة والتنمية إلى 54 مقعداً، واحتلاله المرتبة الرابعة، يمثل عودة سياسية لافتة مقارنة بنتيجته في انتخابات 2021، التي حصل فيها على 13 مقعداً فقط.
لكن السؤال السياسي ليس فقط: كم مقعداً حصل عليه الحزب؟
بل: كيف سيقرأ الحزب موقعه الجديد؟ وهل سيختار المعارضة أم ستُفتح أمامه أبواب تفاوضية جديدة؟
فدخوله في أي تركيبة برلمانية محتملة سيغير الحسابات العددية والسياسية بشكل واضح، تماماً كما أن بقاءه خارج الأغلبية سيمنحه موقعاً مختلفاً داخل المعارضة.
البرلمان الجديد… لا حكومة بلا تفاوض
الدرس الأول الذي تفرضه أرقام 23 شتنبر هو أن مرحلة ما بعد الانتخابات قد تكون، في بعض جوانبها، أكثر أهمية من يوم الاقتراع نفسه.
فالانتخابات أعطت ترتيباً للأحزاب، لكنها لم تعطِ حزباً واحداً أغلبية مطلقة.
وبالتالي، فإن المرحلة المقبلة هي مرحلة المشاورات: مشاورات حول البرنامج، والأولويات الاجتماعية والاقتصادية، والهندسة الحكومية، وتوزيع المسؤوليات، وطبيعة العلاقة بين مكونات الأغلبية.
والفصل 47 من الدستور يحدد أن رئيس الحكومة يُعين من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وهو ما يجعل تصدر الأصالة والمعاصرة للنتائج رقماً أساسياً في بداية المسار الدستوري لتشكيل الحكومة الجديدة.
لكن التكليف شيء، وتشكيل الأغلبية شيء آخر.
«بيتـنا الآن»: الناخب قال كلمته… والسياسيون أمام امتحان جديد
لقد قال الناخب المغربي كلمته أمام صناديق الاقتراع.
والآن جاء دور الأحزاب لتقول كلمتها أمام المواطنين.
هل ستكون الأولوية للبرنامج أم لتوزيع الحقائب؟
هل ستكون المفاوضات امتداداً طبيعياً لاختيارات الناخبين أم مجرد مفاوضات حول موازين القوة؟
وهل تستطيع الأغلبية المقبلة أن تنتقل من منطق تجميع المقاعد إلى منطق تجميع البرامج والالتزامات؟
تلك هي الأسئلة الحقيقية التي ستحدد صورة المرحلة المقبلة.
فالمقاعد الـ97 التي حصل عليها الأصالة والمعاصرة ليست نهاية الطريق، كما أن الـ66 مقعداً للأحرار والـ65 للاستقلال والـ54 للعدالة والتنمية ليست مجرد أرقام في جدول النتائج.
إنها، في مجموعها، خريطة سياسية جديدة.
وخريطة بهذا الحجم لا تُقرأ فقط بمن تصدر ومن حل ثانياً أو ثالثاً، وإنما بما ستنتجه من تحالفات، وما ستفرزه من أغلبية، وما ستقدمه تلك الأغلبية للمغاربة خلال الولاية التشريعية المقبلة.
لقد انتهى زمن الصندوق… وبدأ زمن التحالفات.