من سمح للكاتب العام بمحو مؤسسة المحافظ العام؟

حين تتحول «بجرة قلم» إعادة الهيكلة إلى تحدٍّ للنصوص القانونية!

بقلم: هيئة تحرير «بيتنا الآن»

في الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية، يبدو أن السؤال لم يعد فقط: من يدبر؟ وإنما أصبح أكثر خطورة: من يملك حق تغيير مواقع واختصاصات مؤسسات وهياكل أنشأها القانون ونظم اختصاصاتها نصوص تشريعية وتنظيمية؟

وإذا كانت المعطيات التي توصلت بها «بيتنا الآن» بشأن مباراة انتقاء مدير قطب الشؤون القانونية والعقارية صحيحة، فإن الإصرار على إجراء الانتقاء رغم إثارة ملاحظات جدية حول تشكيلة لجنة الانتقاء وشروطها القانونية يطرح أكثر من علامة استفهام حول احترام المساطر، خصوصًا أن الموضوع سبق أن تناولته جريدتنا في عددها السابق.

لكن الأخطر، في نظرنا، لا يتعلق فقط بهذه المباراة.

الأخطر هو ما تعتبره «بيتنا الآن» مساسًا بموقع مؤسسة المحافظ العام واختصاصاتها من خلال إعادة هيكلة تجعلها خاضعة للكتابة العامة للوكالة، بما يطرح سؤالًا جوهريًا لا يحتاج إلى خطب ولا إلى تأويلات سياسية:

هل يستطيع الكاتب العام للوكالة، أيًّا كان اسمه أو صفته، أن يعيد رسم الاختصاصات التي حددتها النصوص القانونية والتنظيمية بقرار إداري أو بمذكرة داخلية أو بمجرد هيكلة جديدة؟

وهنا تحديدًا، تتحمل الكتابة العامة للوكالة مسؤولية تقديم الجواب، قبل أن تتحول المسألة إلى سابقة إدارية يصعب تبريرها.

إن مؤسسة المحافظ العام ليست مصلحة إدارية مستحدثة يمكن نقلها من خانة إلى أخرى بجرة قلم، وليست مكتبًا يمكن إخضاعه إداريًا لمن شاءت الهيكلة الجديدة.

إن كانت اختصاصات المحافظ العام محددة بمقتضى النصوص القانونية والتنظيمية الجاري بها العمل، فإن تغيير تلك الاختصاصات لا يكون بمجرد قرار إداري؛ بل ينبغي أن يتم وفق الآلية القانونية التي حددها المشرع لتعديل النص المنشئ أو المنظم للاختصاص.

وهنا نطرح السؤال بكل وضوح:

هل تم تعديل النص القانوني أو التنظيمي الذي يحدد اختصاصات المحافظ العام؟

وإذا كان الجواب لا، فبأي سند قانوني تم الانتقال من الوضعية التي كان فيها المحافظ العام يمارس الاختصاصات المخولة له قانونًا إلى وضعية يصبح فيها خاضعًا للكتابة العامة؟

ومن يملك سلطة القيام بذلك؟

هل هو الكاتب العام؟

وإذا كان الأمر كذلك، فمن أين استمد هذه السلطة؟

ثم سؤال أكبر:

هل تغير القانون دون أن نعلم؟

لأن «بيتنا الآن» لا تتحدث هنا عن صراع أشخاص، ولا عن خلافات داخلية، ولا عن حسابات بين مسؤولين.

نحن نتحدث عن الاختصاص القانوني لمؤسسة مركزية داخل وكالة عمومية، وعن ضرورة احترام تراتبية القواعد القانونية، وعدم الخلط بين سلطة التدبير الإداري وسلطة تعديل الاختصاصات التي مصدرها القانون.

والأكثر إثارة للاستغراب أن يأتي هذا النقاش في ظرفية انتقال حكومي وسياسي، وبعد الانتخابات التشريعية، وفي الوقت الذي تستعد فيه مؤسسات الدولة لترتيب مرحلة حكومية جديدة.

فهل اعتقد البعض أن الفراغ السياسي المؤقت يعني فراغًا في القانون؟

وهل أصبحت الفترة الانتقالية فرصة لإعادة ترتيب مؤسسات عمومية وفق إرادة الأشخاص بدل النصوص؟

قطعًا لا.

فالدولة لا تتوقف لأن حكومة انتهت ولايتها أو لأن حكومة جديدة لم تتشكل بعد، والقانون لا يدخل في عطلة بسبب الانتخابات.

والسؤال الذي نوجهه اليوم، وبصوت مرتفع، إلى الكاتب العام للوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية، السيد [اسم الكاتب العام]، ليس شخصيًا، وإنما يتعلق بممارسته لاختصاصاته الرسمية:

بأي سند قانوني تم إخضاع مؤسسة المحافظ العام للكتابة العامة؟

وبأي نص تم الانتقاص من موقع مؤسسة ذات اختصاصات قانونية محددة؟

وأين هو النص الذي يمنح الكاتب العام صلاحية إعادة رسم حدود الاختصاصات التي حددها المشرع؟

أما في ما يتعلق بمباراة انتقاء مدير قطب الشؤون القانونية والعقارية، فإن السؤال لا يقل أهمية:

لماذا الإصرار على إجراء الانتقاء رغم إثارة ملاحظات حول قانونية تشكيل لجنة الانتقاء؟

وهل أصبحت إرادة المسؤول الإداري أقوى من النص؟

إن «بيتنا الآن» لا تتهم أحدًا جزافًا، ولا تصدر أحكامًا قضائية من صفحاتها، لكنها تقوم بما يجب أن تقوم به الصحافة: تطرح الأسئلة حين ترى أن هناك تناقضًا يحتاج إلى تفسير، وتطلب من المسؤول تقديم السند القانوني الذي يبرر قراراته.

ثم هناك سؤال آخر أكثر حساسية:

إذا كان الكاتب العام يستعد لمغادرة منصبه بعد سلسلة من التمديدات، فهل ينبغي أن تصبح الأسابيع الأخيرة من الولاية الإدارية مناسبة لاتخاذ قرارات بنيوية تمس هيكلة مؤسسات واختصاصاتها؟

التمديد الإداري، مهما تعددت مراتِه، لا يمنح صاحبه سلطة فوق القانون، كما أن قرب نهاية المهمة لا يسقط عن المسؤول واجب التقيد بالنصوص.

وهنا نصل إلى جوهر القضية:

المحافظ العام ليس مجرد موظف تابع للكتابة العامة.

فإذا كانت النصوص المنظمة للوكالة تمنحه اختصاصات محددة على مستوى المحافظة العقارية والمسح العقاري، وعلى مصالح وأقسام تدخل ضمن نطاق اختصاصه، وكان يمثل المؤسسة في مجالات تدخل ضمن ولايته القانونية ويُرجع إليه في قضايا ذات طبيعة قانونية وتقنية، فإن موقعه لا يمكن أن يعاد تعريفه بقرار إداري لا يستند إلى نص أعلى.

ولهذا فإن المسألة لا تخص المحافظ العام وحده.

إنها تخص المحافظين العقاريين، والأطر، والمستخدمين، والموثقين والمحامين، والقضاء، والإدارات العمومية، والمهنيين والمتعاملين مع الوكالة، بل وتخص مبدأ الأمن القانوني داخل مؤسسة عمومية بأكملها.

فالهيكلة الإدارية يمكن أن تتغير.

المصالح يمكن أن يعاد توزيعها.

المسؤوليات الإدارية يمكن أن يعاد تنظيمها.

لكن الاختصاص القانوني لا يُمحى بقرار إداري ما لم يسمح القانون بذلك.

ومن هنا، فإن «بيتنا الآن» تضع هذا الملف أمام الجهات التي يفترض أن تكون أول من يسأل عن سلامة التدبير:

أين رئيس الحكومة، باعتباره رئيس المجلس الإداري للوكالة؟

وأين وزارة الفلاحة، باعتبارها الوزارة الوصية؟

وأين أجهزة الرقابة الإدارية والقانونية؟

وأين كل من يفترض أن يتأكد من أن الهيكلة الجديدة لا تتجاوز حدود السلطة المخولة لمن وضعها؟

إن السكوت عن مثل هذه الأسئلة لا يخدم الوكالة، ولا الكاتب العام، ولا المحافظ العام، ولا الشغيلة.

بل إن فتح الملف قانونيًا ومؤسساتيًا هو وحده الكفيل بقطع الطريق على التأويلات والإشاعات.

وإذا كان ما قامت به الكتابة العامة يستند إلى نص قانوني واضح، فليُقدم النص للرأي العام المهني.

وإذا كان هناك سند قانوني لتغيير موقع مؤسسة المحافظ العام، فليُكشف عنه.

أما إذا لم يكن هناك سند، فإن السؤال يصبح أبسط وأخطر في آن واحد:

من سمح بتجاوز حدود الاختصاص؟

إن «بيتنا الآن» تقولها بوضوح:

لسنا ضد إعادة الهيكلة، ولسنا ضد الإصلاح، ولسنا ضد تغيير المسؤوليات.

لكننا ضد أن يتحول شعار الإصلاح إلى غطاء لتغيير مراكز قانونية أنشأها المشرع.

وضد أن تصبح “بجرة قلم” مؤسسات لها تاريخ واختصاصات قانونية مجرد وحدات إدارية تابعة لإرادة مسؤول.

وضد أن يُطلب من أطر الوكالة احترام القانون، بينما يتم تجاهل القانون عندما يتعلق الأمر بالهندسة الداخلية للمؤسسة.

إنها ليست معركة المحافظ العام ضد الكاتب العام.

وليست معركة شخص ضد شخص.

إنها معركة النص القانوني ضد التأويل الإداري.

و«بيتنا الآن» ستواصل فتح هذا الملف، بندًا بندًا، ونصًا بنص، ولن تكتفي بالشعارات.

فإذا كان هناك قانون فليُطبق. وإذا كانت هناك عدد صلاحية فليُكشف سندها. وإذا كان هناك تجاوز، فليتحمل مسؤوليته من اتخذه.

أما مؤسسة المحافظ العام، التي ظلت لعقود جزءًا من البناء القانوني والتقني للوكالة، فلا يجوز أن تختفي من الخريطة المؤسسية للوكالة بقرار إداري لا يعرف الأطر والمستخدمون مصدره القانوني.

والسؤال الأخير الذي سيظل مفتوحًا إلى أن يأتي الجواب:

هل تغيّر القانون الذي ينظم اختصاصات المحافظ العام… أم أن بعض المسؤولين قرروا التعامل مع القانون وكأنه مجرد ورقة يمكن إعادة ترتيبها داخل ملف الهيكلة؟

«بيتنا الآن» تنتظر الجواب.كيف لمؤسسة نظمت بمقتضى ظهير ونصوص قانونية ولها سلطة على مديرية المحافظة العقارية ومديرية المسح العقاري وجميع المصالح الخارجية والمركزية( ولاية عامة ) ان يتم يتم طمسها والحاقها بالكتابة العامة التي دورها التنسيق ليس الا.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد