المحافظ العام بالوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية.. هل حُرّفت الحقائق الموجهة إلى الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء لتوريط محافظ سابق بالرماني؟
حين يتحول الجواب الإداري إلى ورقة اتهام.. وحين يصبح اسم المحافظ أخطر من صفته!
افتتاحية «بيتنا الآن»
الخبر مقدس والتعليق حر
هناك فرق شاسع بين أن يجيب مسؤول إداري عن مراسلة صادرة عن جهاز أمني يعمل تحت إشراف القضاء، وبين أن يقدم لذلك الجهاز معطيات غير دقيقة، أو يورد أسماء مسؤولين سابقين في سياق قد يفهم منه تحميلهم مسؤولية وقائع لم تُثبت في حقهم.
الفرق ليس لغوياً، ولا يتعلق بأسلوب تحرير المراسلات. إنه فرق بين ممارسة الاختصاص الإداري في احترام القانون، وبين احتمال تحويل سلطة الإدارة إلى أداة لإنتاج رواية قد تكون لها آثار قانونية ومهنية خطيرة.
ومن هنا تفتح جريدة «بيتنا الآن» هذا الملف، انطلاقاً من واقعة يقول مدير الجريدة إنه عاش تفاصيلها حين كان محافظاً رئيس مصلحة المحافظة العقارية بالرماني، ومن معطيات ووثائق تستوجب التحقيق والتدقيق، لا الصمت ولا التستر ولا الاكتفاء بجواب إداري آخر.
عندما يُستدعى اسم المحافظ إلى جواب أمني.. من يتحمل المسؤولية؟
تتعلق القضية، وفق المعطيات المتوفرة لدينا، بجواب أعده المحافظ العام بالوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية، استجابة لمراسلة توصل بها من مكتب الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا، بكل وضوح:
هل تضمن الجواب معلومات دقيقة ومتحققاً منها، أم أنه تضمن معطيات غير صحيحة من شأنها أن توجه البحث في اتجاه تحميل محافظ سابق بالرماني مسؤولية لا تثبتها الوثائق العقارية والتقنية؟
إننا لا نتحدث عن مراسلة عادية بين مصلحتين إداريتين. نحن أمام جواب موجه إلى جهاز أمني في سياق بحث ذي طابع قضائي، الأمر الذي يجعل الدقة في نقل الوقائع واجباً لا يحتمل التهاون، ويجعل أي خطأ في المعطيات قابلاً لأن يتحول إلى ضرر بالغ بحقوق الأشخاص المعنيين.
فكيف يمكن أن يُذكر الاسم العائلي والشخصي لمحافظ سابق في جواب رسمي، بدل الاكتفاء بصفته الإدارية، إذا كانت الوقائع موضوع المراسلة مرتبطة بأعمال تمت خلال فترة توليه المسؤولية؟
وهل تم الرجوع إليه للاستفسار عن حقيقة الملف؟ وهل تم الاطلاع على الرسم العقاري المعني، وصفحته، والمعطيات التقنية المرتبطة به؟ وهل جرى التحقق من المعلومات قبل توجيهها إلى الفرقة الوطنية؟
أسئلة مشروعة، ولا يمكن أن يكون الجواب عنها بالتخمين أو بالصمت.
ملف الزحيليكة.. الرسم العقاري الذي يكشف الفارق بين الملكية والاستغلال
تتعلق الوقائع، حسب المعطيات التي نتوفر عليها، بعقار يوجد بجماعة الزحيليكة، دائرة الرماني، داخل النفوذ الترابي للمحافظة على الأملاك العقارية بالرماني.
وهنا تبرز نقطة قانونية وتقنية أساسية:
المدعي والمدعى عليه، حسب المعطيات المقدمة إلينا، لا يملكان الرسم العقاري موضوع النزاع.
فالمدعي يستغل المقر عن طريق الكراء، وهو ما يسمح له قانوناً، في حدود الشروط والضوابط المعمول بها، بتسجيل حق الكراء للاستغلال، دون أن يعني ذلك تملكه للعقار.
أما المدعى عليه، فتتعلق وضعيته برخصة للاستغلال المنجمي، وعلى أساسها أُسس له رسم منجمي وفق الضوابط القانونية المنظمة لهذا النوع من الرسوم.
وهنا لا بد من التمييز بين ثلاثة أمور لا يجوز الخلط بينها:
ملكية العقار موضوع الرسم العقاري.
حق الكراء والاستغلال.
الحق المنجمي الناشئ عن رخصة الاستغلال المنجمي.
فهل يعقل أن يُبنى جواب إداري على خلط بين هذه الحقوق المختلفة؟ وهل يعقل أن يُحمّل محافظ سابق مسؤولية بناءً على قراءة لم تُراعِ الطبيعة القانونية والتقنية لكل رسم؟
ثمانية كيلومترات شرقاً وأربعة جنوباً.. أين تنتهي مسؤولية المحافظ وتبدأ مسؤولية الإدارة؟
تفيد المعطيات التي نضعها أمام الرأي العام أن المحافظ على الأملاك العقارية بالرماني، آنذاك، أجرى دراسة قانونية وتقنية للملف، بالاعتماد على معطيات «لومبير»، وبعد استشارة مصلحة المسح العقاري بالرماني.
كما تفيد المعطيات نفسها بأن المحافظ اعتمد على الخريطة الجيولوجية المسلمة لصاحب الرخصة المنجمية، والتي تشير إلى امتداد المعطيات التقنية للرخصة على طول ثمانية كيلومترات شرقاً وأربعة كيلومترات جنوباً.
وبناءً على هذه المعطيات، خلص المحافظ، حسب الوثائق التي ينبغي فحصها، إلى أن الرسم المنجمي يشمل الرسم العقاري الذي يضم المقلع، دون أن يعني ذلك أن صاحب الرخصة المنجمية أصبح مالكاً للرسم العقاري.
وقد تم، وفق المعطيات المقدمة، توثيق هذه الوقائع في شهادة سلمت لصاحب الرخصة المنجمية، بعد تأسيس الرسم المنجمي.
إذا كانت هذه الوقائع ثابتة في الوثائق، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحاً:
كيف يمكن تحميل المحافظ السابق مسؤولية معطيات قانونية وتقنية أعدت على أساس دراسة واستشارة مصلحة المسح العقاري، دون الرجوع إليه أو الاستماع إلى تفسيره؟
أليس من واجب الإدارة، قبل توجيه جواب إلى جهاز أمني، أن تعود إلى مصدر المعطيات، وأن تتحقق من أساسها القانوني والتقني، وأن تستمع إلى المسؤول الذي حررها أو أشرف عليها؟
المادة 29.. هل جرى احترام المساطر المتعلقة بتصحيح الأخطاء المادية؟
تثير هذه القضية أيضاً مسألة بالغة الأهمية تتعلق بما ورد في المعطيات المقدمة إلينا بشأن المادة 29 من القرار الوزاري المتعلق بإصلاح الخطأ المادي.
ونحن هنا لا نقرر مسبقاً أن هناك تحريفاً أو تزويراً، لأن ذلك يحتاج إلى وثائق وخبرة وتحقيق قضائي عند الاقتضاء. لكننا نطرح السؤال المهني والقانوني:
إذا كانت شهادة عقارية تتضمن معطيات قانونية وتقنية سبق أن حددها المحافظ رئيس مصلحة المحافظة العقارية بالرماني، فهل يجوز تغيير تلك المعطيات دون الرجوع إليه، ودون احترام المسطرة القانونية لتصحيح الأخطاء المادية؟
وإذا كان هناك اختلاف بين المعلومات الواردة في الشهادة وبين المعطيات المسجلة في قاعدة البيانات المعلوماتية، فهل جرى التحقق من مصدر الاختلاف؟ وهل يتعلق الأمر بخطأ مادي؟ أم بتحديث قانوني؟ أم بتغيير في المعطيات؟ أم بخلل تقني؟
كل هذه الأسئلة تحتاج إلى جواب موثق، لا إلى اجتهادات شخصية.
أما القول بأن أي تغيير في المعطيات يشكل تلقائياً تزويراً، فهو بدوره يحتاج إلى تكييف قانوني دقيق. فالتزوير جريمة لها أركانها وشروطها، ولا يجوز إطلاقها على الأشخاص أو الموظفين دون إثبات.
لكن في المقابل، فإن أي تلاعب متعمد في وثيقة رسمية أو في معطيات عقارية، إذا ثبت، يظل أمراً خطيراً يستوجب المساءلة القانونية والقضائية.
المحافظ العام.. هل اطلع على الملف أم اكتفى بجواب جاهز؟
هنا نصل إلى لب القضية.
تقول المعطيات المتوفرة لدينا إن المحافظ العام لم يطلع على وقائع الرسم العقاري، ولا على الصفحة المعنية، ولا على المعطيات التقنية، ولم يطلب من المحافظ السابق بالرماني توضيحات بشأن الشكاية أو التظلم موضوع المراسلة.
وإذا ثبت ذلك، فإن السؤال المشروع هو:
بأي أساس تم تحرير جواب رسمي إلى الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء؟
هل تمت دراسة الملف كاملاً؟ هل تم فحص الرسم العقاري؟ هل تمت مراجعة الوثائق التقنية؟ هل جرى الرجوع إلى المحافظ السابق؟ هل تمت مقارنة الشهادة بقاعدة البيانات؟
أم أن الجواب اعتمد على معلومات منقولة، دون التحقق من مصدرها؟
إن المسؤول الإداري الذي يجيب عن مراسلة ذات طبيعة قضائية لا يُطلب منه أن يكون مجرد ناقل للمعلومات. بل يُطلب منه أن يكون حريصاً على دقتها، وأن يميز بين ما هو ثابت في الوثائق وما هو مجرد ادعاء أو استنتاج.
فإذا كانت المعطيات غير صحيحة، فإن السؤال عن مصدرها يصبح واجباً. وإذا كانت صحيحة، فإن تقديم الوثائق التي تثبتها هو الطريق الطبيعي لإغلاق باب الشك.
لماذا ذُكر الاسم الشخصي للمحافظ السابق؟
تتضمن المعطيات التي نضعها أمام الرأي العام أن الجواب الموجه إلى الفرقة الوطنية أورد الاسم العائلي والشخصي لمحافظ سابق بالرماني، بدل الاكتفاء بصفته الإدارية.
ولا نرى في مجرد ذكر الاسم دليلاً على سوء النية. فقد يكون ذكر الاسم مبرراً في بعض المراسلات الإدارية، بحسب موضوعها وطبيعتها.
لكن في هذه القضية تحديداً، حيث يتعلق الأمر ببحث أمني، وحيث يُقال إن المعطيات لم تُراجع مع المسؤول المعني، فإن ذكر الاسم يطرح سؤالاً لا يمكن تجاهله:
هل كان ذكر الاسم ضرورياً لتحديد الوقائع، أم أنه قد يفهم منه توجيه المسؤولية نحو شخص بعينه؟
إن هذا السؤال لا نجيب عنه نحن، بل يجب أن تجيب عنه الوثائق، وسياق المراسلة، والجهة التي أعدتها، والجهة التي صادقت عليها.
فالمسؤولية الإدارية لا تُبنى على الأسماء، وإنما على الأفعال والاختصاصات والوثائق.
بيتنا الآن تضع الملف أمام الرأي العام.. وتطالب بالتحقيق
إن جريدة «بيتنا الآن» لا تتهم أحداً بارتكاب جريمة دون دليل، ولا تعتبر نفسها جهة قضائية للحكم في الوقائع.
لكنها، في المقابل، لا يمكن أن تصمت أمام معطيات تقول إن جواباً إدارياً موجهاً إلى جهاز أمني قد يكون تضمن معلومات غير دقيقة، وأن هذه المعلومات ربما أضرت بمحافظ سابق أنهى مساره المهني بإحالته على التقاعد لبلوغه السن القانونية.
إن الأمر، إذا ثبت، لا يتعلق بخطأ بسيط في صياغة مراسلة، بل بمسألة تمس الثقة في الوثائق الإدارية، وفي المعطيات العقارية، وفي العلاقة بين الإدارة وأجهزة البحث القضائي.
ولهذا فإننا نطالب بما يلي:
فتح تحقيق إداري مستقل في ظروف إعداد الجواب الموجه إلى الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء.
الاطلاع على أصل المراسلة، والجواب الموجه بشأنها، والوثائق العقارية والتقنية التي استند إليها.
تحديد مصدر كل معلومة وردت في الجواب، والجهة التي أعدتها، والجهة التي صادقت عليها.
الاستماع إلى المحافظ السابق بالرماني، وتمكينه من عرض الوثائق والمعطيات التي بحوزته.
التحقق من مدى احترام المساطر القانونية المتعلقة بتصحيح الأخطاء المادية، عند الاقتضاء.
إحالة أي شبهة تتعلق بتغيير متعمد في وثيقة رسمية أو معطيات عقارية على الجهات القضائية المختصة، إذا توفرت عناصرها القانونية.
تمكين الرأي العام من توضيحات رسمية، في حدود ما يسمح به القانون وسرية الأبحاث القضائية.
كلمة أخيرة.. لا أحد فوق المساءلة
إن الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية مؤسسة عمومية تضطلع بمسؤولية كبرى في حماية الملكية العقارية وضمان الأمن العقاري.
ومثل هذه المسؤولية تفرض أن تكون المراسلات الإدارية، خصوصاً الموجهة إلى أجهزة البحث القضائي، دقيقة وموضوعية ومؤسسة على وثائق قابلة للتحقق.
فإذا ثبت أن هناك خطأ في المعطيات، وجب تصحيحه. وإذا ثبت أن هناك تقصيراً، وجبت المساءلة. وإذا ثبت وجود فعل متعمد يرقى إلى جريمة، فالقضاء هو الجهة المختصة بتحديد المسؤوليات.
أما أن يبقى موظف سابق عرضة للتأويلات والاتهامات بسبب جواب إداري لم تُراجع معطياته، فذلك أمر لا يستقيم مع دولة المؤسسات.
«بيتنا الآن» لا تطالب بإدانة أحد، بل تطالب بكشف الحقيقة كاملة.
فالحقيقة لا تخشى التحقيق، والوثيقة الصحيحة لا تخشى الفحص، والمسؤول الذي أدى واجبه وفق القانون لا ينبغي أن يخشى المساءلة.
لكن إذا ثبت أن اسم محافظ سابق استُعمل في جواب رسمي لتوجيه المسؤولية نحوه دون أساس صحيح، فإن الأمر لا يكون مجرد خطأ في التحرير، بل قضية تستحق أن تُفتح على أوسع نطاق، وأن يتحمل كل من ثبتت مسؤوليته تبعات أفعاله.
والله خير الماكرين.
هيئة تحرير «بيتنا الآن»
—
توضيح تحريري
تؤكد «بيتنا الآن» أن هذا المقال يتناول، في حال ثبوت الوقائع، أفعالاً مرتبطة بالمسؤولية الإدارية والمهنية، وليس الأشخاص في ذواتهم. كما تحتفظ بحقها في نشر أي توضيح أو رد رسمي يرد عليها من الجهات المعنية، احتراماً لحق الرد والتوازن الصحفي.