إشهار خارج التوقيت: هل صُممت حملة الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية لساكنة الرباط فقط؟”
قبل ثوانٍ فقط من أذان المغرب بتوقيت الرباط، تقطع القنوات التلفزية العمومية برامجها لتبث وصلة إشهارية لــ الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية. في تلك اللحظة يكون سكان العاصمة قد التفوا حول مائدة الإفطار، لكن في شرق المملكة يكون كثير من المواطنين قد أنهوا إفطارهم منذ دقائق، بينما في سوس والجنوب لا يزال الناس في الشوارع أو في طريقهم إلى منازلهم انتظاراً للأذان. هنا يطرح السؤال نفسه بقوة: هل خُصص هذا الإشهار للمغاربة جميعاً، أم أنه موجّه فقط لمن يفطرون على توقيت الرباط؟ سؤال بسيط، لكنه يكشف مرة أخرى كيف يمكن لقرار تواصلي بسيط أن يختزل بلداً يمتد من وجدة إلى الداخلة في توقيت مدينة واحدة.
مرة أخرى يجد الرأي العام نفسه أمام نموذج صارخ من الارتجال في تدبير التواصل المؤسساتي لدى الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية، وذلك من خلال الوصلة الإشهارية التي تبثها القنوات التلفزية العمومية خلال شهر رمضان، والتي يتم تقديمها قبل ثوانٍ قليلة فقط من موعد الإفطار وفق توقيت الرباط.
قد يبدو الأمر عادياً في نظر من اتخذ هذا القرار داخل مكاتب الإدارة المركزية، لكن الواقع الميداني يقول شيئاً آخر تماماً. فالمغرب ليس الرباط وحدها، ولا توقيت الإفطار فيه موحداً كما يبدو لمن ينظر إلى الخريطة من خلف المكاتب المكيفة.
ففي الوقت الذي يجلس فيه سكان الرباط وسلا إلى مائدة الإفطار، يكون سكان الشرق قد أنهوا إفطارهم فعلاً منذ دقائق، بينما لا يزال سكان سوس والجنوب ينتظرون أذان المغرب بدقائق طويلة. وبين هاتين الحالتين تضيع الرسالة الإشهارية التي يفترض أنها موجهة إلى عموم المواطنين.
إن الفارق الزمني بين أول مدينة تفطر في المغرب، مثل وجدة، وآخر مدينة مثل الداخلة، يصل إلى حوالي خمسٍ وعشرين دقيقة. وهو فارق زمني كافٍ ليجعل أي برمجة إعلامية مرتبطة بلحظة الإفطار تحتاج إلى قدر من المهنية والدقة في التخطيط، وليس إلى قرارات متسرعة تبدو وكأنها صُممت على مقاس مدينة واحدة.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا بوضوح: هل هذه الوصلة الإشهارية موجهة فعلاً إلى جميع المغاربة، أم أنها موجهة فقط إلى ساكنة الرباط وهم على مائدة الإفطار؟
إن التواصل المؤسساتي ليس مجرد بث إعلان على الشاشة، بل هو علم قائم على معرفة الجمهور وتوقيت الرسالة بالشكل الذي يضمن وصولها وتأثيرها. أما أن يتم بث وصلة إشهارية مرتبطة بلحظة الإفطار وفق توقيت واحد، وكأن المغرب يمتد من حي أكدال إلى حي الرياض فقط، فذلك يعكس خللاً واضحاً في تصور العملية التواصلية برمتها.
ولا يمكن في هذا السياق إعفاء الإدارة المسؤولة داخل الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية من المسؤولية، وعلى رأسها المدير العام، الذي يفترض أن يحرص على أن تكون الرسائل الإعلامية للمؤسسة موجهة إلى جميع المواطنين على قدم المساواة، لا أن تتحول إلى نموذج جديد من المركزية المفرطة التي تختزل المغرب في العاصمة.
إن ما تبقى من أيام شهر رمضان يشكل فرصة حقيقية لتدارك هذا الخلل. فبدل اعتماد توقيت واحد، يمكن للقنوات التلفزية العمومية إعادة جدولة بث هذه الوصلات بما يراعي الفوارق الزمنية بين جهات المملكة، حتى تصل الرسالة إلى المواطن في اللحظة المناسبة.
فالمغاربة من وجدة إلى الداخلة يستحقون أن يُخاطَبوا باحترام لخصوصياتهم الجغرافية والزمنية، لا أن تُبث إليهم رسائل إشهارية “بالخبط العشوائي” كما يحدث اليوم.
إن التواصل الناجح لا يقوم على الصدفة، بل على التخطيط الدقيق. وكلما كانت المؤسسة عمومية وتخاطب ملايين المواطنين، كان من المفروض أن تكون أكثر حرصاً على احترام هذا المبدأ.