ناتو عربي… هل حان الوقت ليتحرك المغرب دفاعاً عن الأمن القومي العربي؟

بقلم: حسن الخلقي -المدير المسؤول لبيتنا الآن.ديبلوم الدراسات العليا في الإعلام والإتصال.

في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي، عادت إلى الواجهة من جديد فكرة طالما طُرحت في النقاشات الاستراتيجية العربية: إنشاء حلف عسكري عربي مشترك على غرار حلف شمال الأطلسي. وهي فكرة لم تعد مجرد ترف فكري أو مشروعاً مؤجلاً، بل أضحت ضرورة تفرضها التحديات الأمنية المتصاعدة التي تواجهها الدول العربية، خاصة في ظل ما عرفته المنطقة من توترات وحروب وتهديدات مباشرة للأمن الإقليمي.

وقد سبق لجريدتنا أن تناولت هذا الموضوع في أحد أعدادها على خلفية حرب الخليج والتصعيد العسكري الذي رافقها، حيث شهدت المنطقة هجمات إيرانية استهدفت عدداً من دول الخليج العربي، في سياق إقليمي شديد الحساسية، أعاد طرح سؤال جوهري: ألم يحن الوقت لإنشاء “ناتو عربي” حقيقي يجمع الدول العربية في منظومة دفاعية موحدة؟

إن قيام تحالف عسكري عربي ليس مجرد رد فعل ظرفي على التوترات الإقليمية، بل يمثل خطوة استراتيجية لبناء منظومة ردع جماعي قادرة على حماية الأمن القومي العربي، وصيانة استقرار المنطقة، والدفاع عن سيادة الدول العربية دون الارتهان لتحالفات خارجية قد لا تتقاطع دائماً مع المصالح العربية.

المغرب… شريك استراتيجي في معادلة الأمن الخليجي

في هذا السياق، يبرز الدور المغربي باعتباره فاعلاً استراتيجياً في منظومة الأمن العربي. فالمغرب لم يكن يوماً بعيداً عن قضايا الخليج، بل ظل تاريخياً شريكاً موثوقاً في الدفاع عن استقرار المنطقة.

وتكتسي اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الموقعة في ديسمبر 2011 بين المغرب ومجلس التعاون لدول الخليج العربية أهمية خاصة في هذا الإطار. فهذه الاتفاقية لم تكن مجرد إعلان سياسي، بل شكلت إطاراً متكاملاً للتعاون السياسي والاقتصادي والأمني والعسكري بين الجانبين.

وبموجب هذه الشراكة، أصبح المغرب يتمتع بأساس سياسي وأخلاقي وقانوني يسمح له بالمساهمة في دعم الأمن الخليجي عند الضرورة، في إطار من التضامن العربي والدفاع المشترك، مع احترام كامل لسيادة الدول واستقلال قراراتها الوطنية.

إن تفعيل هذه الشراكة في بعدها الأمني والعسكري لا يعني بأي حال من الأحوال تدخلاً في شؤون الدول الخليجية، بل يندرج ضمن منطق التعاون الاستراتيجي بين شركاء تجمعهم روابط التاريخ والمصير المشترك.

دفاع عن الأمن العربي لا اصطفاف في صراعات

إن أي تحرك مغربي في هذا الاتجاه يجب أن يُفهم في سياقه الصحيح: ليس كاصطفاف في صراع إقليمي، ولا كتنفيذ لإملاءات خارجية، بل كواجب تضامني عربي يهدف إلى حماية الاستقرار الإقليمي وصون الأمن القومي العربي.

فالمغرب، الذي راكم تجربة معتبرة في حفظ السلام ومكافحة الإرهاب وتعزيز الاستقرار الإقليمي، يمتلك من المؤهلات العسكرية والدبلوماسية ما يجعله فاعلاً مؤثراً في أي منظومة دفاع عربي مشترك.

كما أن انخراطه في دعم أمن الخليج ينبع من منطق الشراكة الأخوية وليس من موقع التبعية، وهو ما يعكسه التاريخ الطويل من العلاقات المتينة بين الرباط والعواصم الخليجية.

بين الحلم والضرورة الاستراتيجية

اليوم، ومع تزايد التحديات الأمنية في المنطقة، لم يعد السؤال هو هل يمكن إنشاء ناتو عربي؟ بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحاً هو: متى سيُتخذ القرار السياسي الجريء لتحقيق ذلك؟

فالعالم يتجه نحو تكتلات عسكرية وأمنية كبرى، بينما لا تزال الدول العربية، رغم امتلاكها إمكانيات بشرية واقتصادية وعسكرية هائلة، عاجزة عن بناء منظومة دفاعية موحدة قادرة على حماية مصالحها الاستراتيجية.

إن إنشاء حلف عسكري عربي، قد يكون مقره في المغرب أو مصر باعتبارهما قوتين عسكريتين وازنتين في العالم العربي، من شأنه أن يشكل تحولاً تاريخياً في معادلة الأمن الإقليمي، ويضع حداً لحالة التشتت التي ظلت تطبع العمل الدفاعي العربي لعقود طويلة.

إن اللحظة التاريخية التي تمر بها المنطقة قد تكون مناسبة لإعادة التفكير بجدية في مستقبل الأمن العربي المشترك. والمغرب، بما يمتلكه من رصيد دبلوماسي وعسكري، وبفضل شراكته الاستراتيجية مع دول الخليج، يمكن أن يكون أحد الأعمدة الأساسية لأي مشروع دفاع عربي موحد.

فالأمن القومي العربي لا يمكن أن يبقى رهينة الحسابات الضيقة أو الخلافات السياسية، بل يجب أن يتحول إلى مشروع استراتيجي جامع يضع مصلحة الأمة العربية فوق كل اعتبار.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد