لم تكن جهة العيون–الساقية الحمراء، اليوم، مجرد رقم جديد في جدول نسب المشاركة الانتخابية، بل كانت مرة أخرى أمام مشهد انتخابي يحمل دلالات سياسية ومؤسساتية خاصة، بالنظر إلى المكانة التي تحظى بها الأقاليم الجنوبية في الوعي الوطني وفي النقاش الدولي حول قضية الصحراء.
فإلى حدود الساعة السادسة مساءً، بلغت نسبة المشاركة في الجهة 68.79 في المائة، بينما ارتفعت في إقليم العيون إلى 71 في المائة، في وقت سجل فيه إقليم بوجدور بدوره نسبة مشاركة بلغت 68 في المائة.
واللافت أن التاريخ يعيد نفسه.
ففي انتخابات 2021، بلغت نسبة المشاركة بجهة العيون–الساقية الحمراء 66.94 في المائة، وسجل إقليم العيون 68.65 في المائة، فيما بلغت ببوجدور 64.10 في المائة.
اليوم، لا تكتفي المنطقة بالحفاظ على هذا المستوى المرتفع، بل تسجل، وفق المعطيات المؤقتة، ارتفاعاً جديداً في المشاركة.
وبعيداً عن الحسابات الحزبية والنتائج التي ستفرزها صناديق الاقتراع، فإن حجم الإقبال على التصويت في هذه الجهة يفرض قراءة خاصة؛ لأن الانتخابات في الأقاليم الجنوبية لا تُختزل بالنسبة المئوية وحدها، وإنما ترتبط أيضاً بحجم الانخراط في المؤسسات المنتخبة وممارسة الحق الدستوري في اختيار الممثلين.
لقد اختار الناخبون والناخبات في العيون وبوجدور، كما في باقي أقاليم الجهة، أن يجعلوا من يوم الاقتراع موعداً مع الصندوق، لا مع المقاطعة.
وهنا تكمن الرسالة الأهم: المشاركة السياسية لا تُقاس بالشعارات، وإنما بحضور المواطن أمام صندوق الاقتراع.
ومن زاوية قضية الصحراء، فإن المشاركة المرتفعة والمتكررة في الاستحقاقات الانتخابية تمنح النقاش بعداً إضافياً، خصوصاً أن المغرب يقدم الانتخابات في أقاليمه الجنوبية باعتبارها جزءاً من ممارسة السكان لتدبير شؤونهم في إطار المؤسسات الوطنية. وقد سبق أن اعتُبرت نسب المشاركة المرتفعة في انتخابات 2021، من طرف مسؤولين ودبلوماسيين مغاربة، مؤشراً على الانخراط في المؤسسات وعلى التشبث بالوحدة الترابية.
لكن «بيتنا الآن» تقول أيضاً إن الصندوق لا ينبغي أن يكون مجرد رسالة إلى الخارج؛ بل قبل ذلك رسالة إلى الداخل.
فالمواطن الصحراوي الذي يشارك بكثافة، من حقه أن ينتظر في المقابل تمثيلية حقيقية، ومؤسسات منتخبة فعالة، وتنمية ملموسة، وربطاً واضحاً بين الصوت الانتخابي وبين المسؤولية والمحاسبة.
لقد ارتفعت نسبة المشاركة.
والسؤال الذي سيبقى مطروحاً بعد إغلاق الصناديق ليس فقط: من فاز بالمقاعد؟
بل أيضاً:
ماذا سيفعل الفائزون بهذه الثقة؟
ذلك هو الامتحان الحقيقي الذي يبدأ بعد الانتخابات.
أما اليوم، فإن العيون والساقية الحمراء وبوجدور تقول، مرة أخرى، إن الصحراء حضرت بقوة إلى موعد الاقتراع، وإن التاريخ الانتخابي للجهة يواصل تسجيل أرقام مرتفعة تستحق أن تُقرأ سياسياً ومؤسساتياً، لا أن تُختزل في مجرد نسبة مئوية.
الصندوق قال كلمته الأولى… والكلمة الثانية ستكون للنتائج، والثالثة ستكون للأداء.