جرسيف تئن بصمت تحت شمس باردة، حيث تعرف الأزقة وقْع أقدامنا أكثر مما نحفظ أسماء شوارعها .
بعد قيلولة الظهر ، كان يحصي السنتيمات المبعثرة في جيبه الضيق ، يضعها على حافة السرير ، يرتِّبها في أعمدة ثم يُعيد عدَّها . لم تكن كافية . كان في الأمر شيء يحز في النفس ؛ شيء يشبه غصّة لا تُبتلع .
خرج من المنزل فصادف أحدَ أترابه ، لم يتبادلا كثير كلام . كانا يعرفان لماذا التقيا . في مثل تلك الأيام لم يكن الأمر يحتاج إلى اتفاق ، يكفي أن تلتقي العيون .
جلب أحدهما كيسًا واتجها نحو شجر الزيتون عند أطراف الحقول . كانا يراوغان الحارس المهووس بهما . يختبئان خلف الجذع حينًا ، ويضحكان حينًا آخر وهما يقطفان الثمار بسرعة المرتبكين . لم يكونا يسرقان بقدر ما كانا يستعيران الفرحة من شجرة زيتونية. ملآ الكيس على عجل ، وباعاه بأبخس ثمن . لم يساوما كثيرًا . لم يكن الهدف هو الربح إنما هو إنقاذ فراغ المساء من مخالب الملل.
توجها إلى الفيلاج مرورا بحي النجد الذي لا يعرف السكون ، فثَمَّ الحركة والرواج ، وقاعة ألعابٍ تظل مفتوحة كفضاء يُشعر المرء أن الدنيا كلها ضجيج و صراخ ، لصاحبها المرحوم ” عمي علي “( ذو العينين الهادئتين والشارب الكثيف ) .
وهما بالفيلاج ؛ مرّا بجانب ثانوية الحسن الداخل الوحيدة آنذاك بالمدينة ، تبادلا نظرة خاطفة على أسوارها كأنها تحذرهما بأن الحرية ليست مادة تُدَرَّس ، ولا وجود لها في المقررات ؛ فالثانوية كان لها سلطة صامتة تراقب حرية التلاميذ ولو خارج أسوارها .
عرجا لإلقاء نظرة خاطفة على مكتبة السي بوعزة ،رحمة الله عليه ، قبالة المارشي ( صيدلية حاليا ) ولم يفوّتا فرصة مشاكسته قصد إثارة قلقه اللطيف وازعاجه عمدًا ؛ يدخُلان بنظرات بريئة ويخرجان بضحكات مكتومة .
وهما بالخارج ، سمعا صوتا مألوفا يحمل خشونة دافئة يهتف : غايـــــــــة……غاية…؛ توقفا في آن واحد ، تبادلا النظرات : …السو لـــــيــــــــــــمـــــــا…..!
ثم مضيا نحو سينما توفيق ؛ كان على الواجهة ملصقان : فيلم كاراطي وآخر هندي . ترددت كلمات فريد رحمه الله:” غـــــــــاية….غايــــة…” في اذهانهما فتضاعفت الرغبة.. .. كم كانا يشتاقان لتلك المقاعد الخشبية التي تُصدر صريرا مع كل حركة ، و ذلك الضجيج الجماعي قبل أن يبدأ العرض وهما يرددان مقطع “يا مسهرني…” لأم كلثوم المنبعث من داخل القاعة .
اقتنيا تذكرتين و وضعاها جانبًا بحزم الكبار ، أما الباقي فكانا يعرفان جيدًا أين سيُصرف .
بمحل قرب” السي إدريس مول الصاكا ” ، كان يُعرف ب “حانوت بن يوسف” ، اشتريا نصف خبزة محشوة بجبنة البقرة الضاحكة . كانا يحدّقان في وجهها الأحمر ويتساءلان : ما الذي يضحكها ؟ لعلها تعرف سراً يكتمانِه..!!..وتأبطا قنينة من مشروب ” الحرشة ” ، ذلك السائل البارد الذي كان طعمه يشبه العطلة وهو ينساب في الحلق ..
في جنان السبيل ، قبالة “مصلحة البريد والتلفون و التلغراف” ( P.T.T ) ، اتخذا لهما مكانًا على العشب . جلسا كمَلَكَين صغيرين يقتسمان الخبز والجبن والمشروب ويلتهمان اللحظة و الوجبة معا . لم تكن الوجبة فاخرة لكنها كانت مكتملة
لأنهما كانا معًا ، ولأن السينما في الجَيْب ، ولأن ثمر الزيتون أدى واجبه .
دخلا القاعة المظلمة فتحولا إلى مقاتليْن حين ظهر (Chuck Norris) وهو يوزع الركلات يُمنة ويُسرة ، وإلى عاشقَين حالمَين حين بدأ البطل الهندي(rajesh khana ) يغني تحت المطر وعشيقته (hema malini ) تتلصص النظر اليه خلف الشجر بخجل متعمَّد ، احتراما للتقاليد .
كانا يعيشان حياتين في آن واحد : حياتهما المتواضعة ، وتلك التي على الشاشة .
بعد العرض كان الليل ينزل خفيفًا على الرؤوس . توقّفا عند “قهوة فيلالا ” (ساحة بئر انزران حاليا ) وهي نقطة الوسط بجرسيف ، مُحاطة بصور يعلوه شباك حديدي كان يُطلق عليه اسم ، لا يستحضره إلا من مَسَّه الشيْب ، ( شباك ال.. ..) وطلبا حريرة ساخنة واسفنجًا يذوب بين الأصابع قبل الأضراس ، و كان البخار يتصاعد من الجبانية ويلسع الأنف برائحة القزبر كأنه يبدد غصة السنتيمات التي أقلقته ُظهرا .
[ ] عند عودته إلى البيت، لم يعد يحسب السنتيمات ، لم تعد في نفسه حزة ، فقد كان يحمل في لُبٍّه ما هو أثمن : يومًا كاملًا من المغامرة ، ونصف خبزة تقاسماها ، وسعادة لا تحتاج إلى عد أو ترتيب…
ذاك حنين لجرسيف وأزقته ، وحنين إلى مراهقة كان فيها طعم الشقاوة يعادل الدنيا كلها …
كبرنا ، تبدلت الأمكنة و تبدلت الوجوه ، و انمحت بعضُ معالمِ المدينة وارتسمت أخرى لا تَعرف وقْع أقدامنا ، لكن الذاكرة ظلت أمينةً على ما نُقش فيها من محبة و شقاوة و ندم …
سلام لتلك الأيام وسلام لنُسختنا القديمة …..
3 مارس 2026