أثار انتباه المتتبعين حجم التغطية الإعلامية التي خصصتها بعض الجرائد الإلكترونية لقرار تعيين مديرة لمديرية الخرائطية بالوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية، حيث قدمت الحدث باعتباره منعطفا تاريخيا في مسار المؤسسة، وربطته بخطاب من قبيل “ترسيخ الحكامة الجيدة”، و”تحديث الإدارة”، و”تجويد المرفق العمومي”، و”تنزيل خارطة الطريق”، و”تنفيذ المخطط الاستراتيجي 2030″، في لغة أقرب إلى البلاغات الدعائية منها إلى العمل الصحفي المهني.
والسؤال الذي يفرض نفسه هو: هل يستحق تعيين مسؤول إداري، مهما كانت أهميته، كل هذا التهليل؟ أم أن الأمر يتعلق بمحاولة إضفاء أبعاد استثنائية على حدث يدخل في السير العادي للمؤسسات العمومية؟
الثابت أن منصب مدير الخرائطية لم يشهد، في الإعلان الأول عن فتح باب الترشيحات، أي منافسة، قبل أن يعاد فتح باب الترشيح لاحقا، ليتقدم له مرشحان فقط، وتنتهي المسطرة الإدارية بتعيين المرشحة التي استوفت شروطها. وهي مسطرة عادية تخضع للقوانين المنظمة للتعيين في مناصب المسؤولية، ولا يمكن اعتبارها في حد ذاتها حدثا استثنائيا.
كما أن الادعاء بأن الوكالة تعيش لأول مرة قيادة امرأة لهذه المديرية لا يستقيم مع الوقائع، لأن مديرية الخرائطية سبق أن ترأستها امرأة في مرحلة سابقة. وبالتالي فإن تقديم التعيين الحالي باعتباره “سابقة تاريخية” لا ينسجم مع الحقيقة، ويعكس غيابا للتحقق من المعطيات قبل النشر.
والأكثر إثارة للاستغراب أن الإعلان نفسه تزامن مع تعيين مدير جديد للمحافظة العقارية، وهو منصب لا يقل أهمية، بل يعد من أكثر المديريات تأثيرا داخل الوكالة بالنظر إلى ارتباطه المباشر بالتحفيظ العقاري والخدمات المقدمة للمواطنين والمستثمرين. ومع ذلك، لم يحظ هذا التعيين بأي اهتمام يوازي ما خصص لمديرية الخرائطية.
فلماذا هذا الكيل بمكيالين؟ ولماذا يتم تضخيم خبر وتجاهل آخر صدر في التوقيت نفسه؟
هذا التساؤل يكتسب مشروعيته عندما يتعلق الأمر ببعض المنابر الإعلامية التي تستفيد من الإشهار المؤسساتي، لأن الصحافة مطالبة بالمحافظة على استقلاليتها، وأن تميز بين الخبر والترويج، وبين نقل الوقائع وصناعة الانطباعات. فالإشهار حق للمؤسسات الإعلامية وفق الضوابط القانونية، لكنه لا ينبغي أن يؤثر في طريقة معالجة الأخبار أو ترتيب أولوياتها.
إن نجاح أي مسؤول في منصبه لا يقاس بالاحتفاء الإعلامي الذي يسبق مباشرة مهامه، وإنما بما سيحققه على أرض الواقع من نتائج، وبقدرته على تطوير الأداء، وتحسين الخدمات، وتثمين الموارد البشرية، وخدمة المصلحة العامة.
ويبقى الرهان الحقيقي أمام الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية هو تكريس مبدأ تكافؤ الفرص والشفافية في الولوج إلى مناصب المسؤولية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإعطاء جميع التعيينات الأهمية نفسها وفق معيار المصلحة العامة، بعيدا عن الانتقائية في التغطية الإعلامية أو صناعة “أحداث” لا تصنعها الوقائع بقدر ما تصنعها الأقلام.