مرة أخرى، اختار البرلمان الأوروبي أن يطل على المغرب من النافذة التي يريدها هو، لا من النافذة التي تفرضها حقائق الجغرافيا والتاريخ والقانون.
ففي القرار الذي اعتمده اليوم بشأن أحداث سبتة، ذهب البرلمان الأوروبي إلى التعامل مع سبتة باعتبارها جزءاً من «الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي»، وأدان ما وصفه باستعمال الهجرة غير النظامية كـ«أداة للحرب الهجينة» ضد السلامة الترابية لدولة عضو. وقد حصل القرار على 339 صوتاً مقابل 225 و16 امتناعاً.
وهنا تحديداً تبدأ الحكاية التي تستحق أكثر من علامة استفهام.
من قال إن معالجة أزمة الهجرة تمنح البرلمان الأوروبي حق حسم القضايا السياسية والتاريخية العالقة؟
إن مكافحة الهجرة غير النظامية شيء، وتحويل أزمة حدودية وإنسانية إلى مناسبة لإعادة رسم الحقائق السياسية شيء آخر تماماً.
فالبرلمان الأوروبي مؤسسة سياسية للاتحاد الأوروبي، وقراراته في هذا النوع من الملفات لا تتحول بمجرد التصويت عليها إلى معاهدة دولية جديدة، ولا تمنح تلقائياً شرعية فوق التاريخ أو الجغرافيا أو المواقف السيادية للدول.
والأكثر إثارة للانتباه أن القرار جاء في سياق دفع واضح من قوى اليمين واليمين المتطرف داخل البرلمان الأوروبي، بينما كانت بعض القوى السياسية الإسبانية تستخدم أزمة سبتة للضغط على حكومة مدريد من زاوية الهجرة والأمن والسيادة. وقد سجلت تقارير أوروبية أن القرار حظي بدعم حزب الشعب الأوروبي ومجموعات اليمين واليمين المتطرف.
وهنا يحق لنا أن نسأل:
هل أصبح المغرب فجأة هو المتهم الدائم كلما أرادت بعض القوى الأوروبية تصفية حساباتها الداخلية؟
فالمفارقة أن المفوض الأوروبي المكلف بالهجرة، ماغنوس برونر، أشاد بالتعاون المغربي الذي ساهم في إعادة عدد كبير من الأشخاص الذين دخلوا سبتة بصورة غير نظامية.
فإذا كان المغرب، وفق المعطيات الأوروبية نفسها، شريكاً أساسياً في معالجة الهجرة وإعادة المهاجرين، فكيف يتحول هذا الشريك في خطاب بعض التيارات السياسية الأوروبية إلى متهم بـ«الحرب الهجينة»؟
إنها مفارقة سياسية تستحق التوقف عندها.
المغرب لم يعلن أنه يعترف بسبتة كجزء من التراب الإسباني، وهذه حقيقة سياسية معروفة. وفي المقابل، فإن إسبانيا والاتحاد الأوروبي لديهما موقفهما المعروف من وضع المدينة.
لكن الخلاف السياسي لا يُلغى بقرار برلماني، كما أن التصويت بالأغلبية لا يصنع التاريخ من جديد.
وهذا بالضبط هو جوهر المشكلة.
كان يمكن للبرلمان الأوروبي أن يناقش بجدية أسباب التدفق البشري الكبير، ومسؤولية جميع الأطراف، وحماية أرواح المهاجرين، وآليات التعاون المغربي الإسباني والأوروبي، وتعزيز الحدود، وإيجاد حلول إنسانية وأمنية مستدامة.
أما أن يتم الانتقال من أزمة هجرة إلى لغة «الحرب الهجينة» ثم جعلها مدخلاً لتثبيت توصيف سياسي لوضع سبتة، فذلك يفتح الباب أمام سؤال أكبر:
هل نحن أمام معالجة أوروبية لأزمة الهجرة، أم أمام محاولة لتوظيف أزمة الهجرة في صراع سياسي أوسع؟
و«بيتنا الآن» لا تدافع عن الهجرة غير النظامية، ولا تبرر تعريض حياة البشر للخطر، ولا تعترض على حق أي دولة في حماية حدودها.
لكننا في الوقت نفسه نرفض أن تتحول مأساة المهاجرين إلى صك سياسي مجاني يوزع على هذا الطرف أو ذاك، أو أن تصبح معاناة الإنسان وسيلة لتثبيت رواية سياسية واحدة وإقصاء باقي الروايات.
ثم إن الحديث عن «الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي» يحتاج إلى قدر من الدقة. فالمعطيات القانونية الأوروبية نفسها تميز بين كون سبتة جزءاً من الاتحاد الأوروبي وبين وضعها الخاص داخل المنظومة الجمركية ومنطقة شنغن؛ فسبتة ومليلية جزء من الاتحاد الأوروبي، لكنهما ليستا ضمن الإقليم الجمركي للاتحاد، كما أنهما مستثناتان من منطقة شنغن الخالية من المراقبة على الحدود الداخلية.
إذن، لماذا كل هذه السرعة في تحويل التعقيد إلى شعار؟
لأن السياسة حين تدخل من باب الهجرة، قد تخرج أحياناً من باب الجغرافيا والتاريخ والسيادة.
والأغرب من ذلك أن البرلمان الأوروبي نفسه سبق له، سنة 2021، أن تعامل مع أزمة سبتة من زاوية الهجرة وحقوق الطفل والعلاقات المغربية الأوروبية، ودعا في الوقت نفسه إلى العودة إلى شراكة بناءة وموثوقة بين الاتحاد الأوروبي والمغرب.
فما الذي تغير؟
لقد تغيرت الظروف السياسية، وتصاعد خطاب اليمين واليمين المتطرف حول الهجرة، وأصبحت الحدود والهجرة مادة انتخابية بامتياز في عدد من الدول الأوروبية.
وهنا ينبغي ألا نخلط بين أوروبا كشريك استراتيجي وبين بعض التيارات السياسية الأوروبية التي قد توظف المغرب في معاركها الداخلية.
المغرب والاتحاد الأوروبي تجمعهما مصالح اقتصادية وأمنية وإنسانية عميقة، والتعاون بينهما في ملف الهجرة والأمن ليس منّة أوروبية على المغرب ولا خدمة مغربية لأوروبا؛ إنه تعاون قائم على مصالح متبادلة.
ولذلك فإن المنطق يقتضي أن تكون لغة الحوار هي لغة الشراكة، لا لغة الوصاية.
أما تحويل سبتة إلى «حدود أوروبية» في خطاب برلماني، فلا ينبغي أن يُقرأ باعتباره نهاية النقاش، بل بداية نقاش أكثر عمقاً حول من يملك حق حسم القضايا السيادية والتاريخية، وبأي أدوات، وتحت أي مظلة قانونية؟
إن البرلمان الأوروبي يستطيع أن يصوت.
لكنه لا يستطيع بالتصويت وحده أن يمحو سؤالاً تاريخياً.
ويستطيع أن يصوغ قراراً.
لكنه لا يستطيع بقرار سياسي أن يجعل الخلاف السياسي حقيقة قانونية نهائية بالنسبة إلى الطرف الآخر.
أما المغرب، فعليه أن يواصل الدفاع عن مصالحه بالحجة والقانون والدبلوماسية الهادئة، بعيداً عن الانفعال، لأن القضايا الكبرى لا تحسم بالصراخ، وإنما بالنفس الطويل، وبالوثيقة، وبالموقف الثابت.
وفي نهاية المطاف، فإن سبتة ليست مجرد سياج وحدود ومهاجرين.
إنها ملف سياسي وتاريخي حساس، ولا يمكن اختزاله في قرار برلماني صيغ في خضم معركة أوروبية حول الهجرة.
وهنا تقول «بيتنا الآن»:
إذا كان البرلمان الأوروبي يريد شريكاً مغربياً في حماية حدوده، فعليه أولاً أن يتعامل مع المغرب كشريك، لا كمتهم جاهز كلما احتاجت بعض القوى السياسية الأوروبية إلى شماعة انتخابية.
فالحدود تُحرس بالقوة عندما يتعلق الأمر بالأمن،
أما القضايا التاريخية والسياسية، فلا تُحسم بقوة التصويت.