عقارب الساعة تتراجع ساعة… المغرب يعود إلى غرينيتش، والساعة القانونية تفتح من جديد نقاشاً مؤجلاً

لم تكن عقارب الساعة في المغرب، خلال السنوات الأخيرة، مجرد أرقام تتحرك على شاشات الهواتف والساعات، بل تحولت إلى موضوع يومي يمس حياة ملايين المغاربة: المدرسة، والعمل، الإدارة، السفر، التجارة، الأسرة، وحتى إيقاع الحياة الاجتماعية.

واليوم، الجمعة 18 شتنبر 2026، أعلنت رئاسة الحكومة عودة المملكة إلى الساعة القانونية المحددة وفق التوقيت الزمني المتوسط لخط غرينيتش، وذلك ابتداءً من الساعات الأولى ليوم الأحد 20 شتنبر، حيث سيتم تأخير عقارب الساعة بستين دقيقة عند حلول الساعة الثانية صباحاً، لتصبح الواحدة صباحاً.

إن الأمر، من الناحية القانونية، ليس قراراً معزولاً أو إجراءً ظرفياً، وإنما يأتي تنفيذاً لمقتضيات المرسوم رقم 2.26.530 الصادر في 25 يونيو 2026 بشأن الساعة القانونية، وعملاً بمقتضيات المرسوم الملكي رقم 455.67 الصادر في 2 يونيو 1967.

لكن الساعة ليست مجرد عقارب.

فالقرار، وإن كان تقنياً في ظاهره، له انعكاسات عملية على حياة المواطن وعلى تنظيم المؤسسات والإدارات والمدارس والأسواق ووسائل النقل. ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح ليس فقط: متى نعيد الساعة إلى الوراء؟ وإنما أيضاً: هل استطاعت الدولة، خلال السنوات الماضية، أن تجعل نظام التوقيت يخدم المواطن والمؤسسات بالقدر المطلوب؟

إن العودة إلى غرينيتش تعني عملياً أن المغرب سيغادر، ابتداءً من الأحد، صيغة «غرينيتش زائد ساعة» التي أصبحت جزءاً من الحياة اليومية منذ اعتمادها بصورة دائمة، مع الاستثناءات المرتبطة بشهر رمضان وفق المقتضيات التنظيمية. وقد كانت الحكومة قد أعلنت في أواخر يونيو الماضي إنهاء العمل بالساعة الإضافية ابتداءً من 20 شتنبر 2026.

وفي «بيتنا الآن»، لا ننظر إلى القرار باعتباره مجرد خبر لتذكير المواطن بأن عليه تغيير ساعة هاتفه أو ساعته اليدوية.

إننا نراه مناسبة لإعادة فتح النقاش حول فلسفة التوقيت القانوني بالمغرب: هل ينبغي أن يكون التوقيت الرسمي مرتبطاً أساساً بالجغرافيا وخطوط الطول، أم بالاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية والإدارية؟ وما هي الكلفة الحقيقية لكل تغيير في الساعة على المدرسة والأسرة والاقتصاد والنقل والإدارة؟

كما أن هذه المناسبة تفرض على المؤسسات العمومية والإدارات والمرافق المختلفة أن تتواصل بوضوح مع المواطنين، حتى لا يتحول تغيير الساعة إلى مصدر ارتباك في المواعيد والخدمات والتنقلات، خصوصاً أن التنفيذ سيتم في ليلة الأحد، أي في توقيت تتقاطع فيه مواعيد السفر والعمل والخدمات الإلكترونية وغيرها.

ساعة واحدة قد تبدو صغيرة على عقارب الزمن، لكنها كبيرة في حياة الناس.

ومن هنا، فإن عودة المغرب إلى توقيت غرينيتش ينبغي ألا تمر كخبر عابر. إنها فرصة لتقييم تجربة كاملة، واستخلاص ما لها وما عليها، وربط القرارات الزمنية بحياة المواطن الفعلية، بعيداً عن الحسابات التقنية المجردة.

فالزمن في النهاية ليس رقماً على شاشة.

الزمن هو حياة الناس، وتنظيم حياتهم، ومواعيدهم، وأعمالهم، ومدارس أبنائهم، ومصالحهم.

وإذا كانت العقارب ستعود ساعة إلى الوراء، فإن السؤال الأهم هو: هل ستتقدم معها جودة تدبير الزمن العمومي إلى الأمام؟

هذا هو السؤال الذي يستحق أن يبقى مفتوحاً.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد