بقلم : حسن الخلفي ،المدير المسؤول لجريدة:”بيتنا الآن”.
في زمن أصبحت فيه منصات التواصل الاجتماعي فضاءً مفتوحاً للخبر كما للإشاعة، وللنقد كما للتشهير، لم يعد غريباً أن تتحول الشخصيات العمومية إلى أهداف لحملات إلكترونية تحاول النيل من صورتها، أحياناً بالوقائع، وأحياناً أخرى بالخلط بين الحياة الخاصة والمسؤولية العمومية. ومن بين الشخصيات التي وجدت نفسها في قلب هذا الجدل، فاطمة الزهراء المنصوري، وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، وأحد أبرز الوجوه النسائية في المشهد السياسي المغربي.
إن الإنصاف يقتضي، قبل إصدار الأحكام، العودة إلى مسار المرأة لا إلى الشعارات التي يرفعها خصومها. فالمنصوري لم تظهر فجأة في الحياة السياسية، ولم تصنعها المناصب الحكومية، بل بنت اسمها تدريجياً عبر الدراسة، والمحاماة، والعمل الجماعي، والتدبير الترابي، ثم المسؤولية الحزبية والوطنية.
ولدت في بيت عرف معنى خدمة الدولة. فوالدها، الراحل عبد الرحمن المنصوري، كان من رجالات الإدارة الترابية، شغل منصب باشا مدينة مراكش، قبل أن يحظى بالثقة الملكية ويعين سفيراً للمملكة المغربية لدى دولة الإمارات العربية المتحدة. وقد وفر هذا المحيط الأسري مدرسة حقيقية في الانضباط وتحمل المسؤولية، وكان له أثر واضح في توجيه ابنته نحو دراسة القانون، لتلج بعدها مهنة المحاماة، التي صقلت شخصيتها القانونية والسياسية.
وفي المجال الانتخابي، نجحت في أن تفرض نفسها رئيسة للمجلس الجماعي لمدينة مراكش، وهي واحدة من أهم الجماعات الترابية بالمملكة، قبل أن تعود إلى هذا المنصب مجدداً، في تأكيد على استمرار الثقة السياسية التي تحظى بها.
أما داخل حزب الأصالة والمعاصرة، فقد أصبحت إحدى أبرز قياداته، وتشغل اليوم مهمة التنسيق ضمن القيادة الجماعية للحزب، مساهمة في تدبير مرحلة سياسية دقيقة تسبق الاستحقاقات التشريعية المقبلة.
وعلى المستوى الحكومي، تدير وزارة تعتبر من أكثر القطاعات ارتباطاً بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية. فمن إعادة هيكلة الوكالات الحضرية، إلى إطلاق برنامج الدعم المباشر للسكن، مروراً بأوراش التأهيل الحضري وسياسة المدينة، بصمت الوزارة على مشاريع إصلاحية سيكون التاريخ وحده كفيلاً بتقييم آثارها ونتائجها.
غير أن اللافت في الآونة الأخيرة، هو محاولة بعض الحسابات الإلكترونية ربط اسم الوزيرة بممتلكات عائلتها، وكأن الإرث المشروع أصبح تهمة، أو كأن الانتماء إلى أسرة ميسورة يفقد صاحبه حقه في تقلد المسؤوليات العمومية.
إن دولة الحق والقانون لا تحاسب الناس على ما ورثوه عن آبائهم، وإنما على كيفية ممارستهم للسلطة واحترامهم للقانون. وإذا كان أي مسؤول عمومي مطالباً بالشفافية والخضوع للمساءلة، فإن هذه المساءلة يجب أن تبنى على الوقائع والأدلة والمؤسسات، لا على الإشاعات أو حملات التشهير.
لقد ورثت فاطمة الزهراء المنصوري، شأنها شأن باقي الورثة، حقوقاً عائلية ينظمها القانون، ولا يمكن الخلط بين الثروة الخاصة المشروعة وبين استغلال النفوذ، ما لم يثبت ذلك بوسائل الإثبات القانونية. فالأصل هو قرينة البراءة، وسيادة القانون، واحترام المؤسسات.
لقد أثبتت التجربة المغربية أن المرأة أصبحت شريكاً كاملاً في صناعة القرار، وأن كفاءات نسائية عديدة استطاعت أن تكسر الصور النمطية، وتصل إلى مواقع المسؤولية بفضل مؤهلاتها، لا بفضل الامتيازات.
وإذا كان من حق الرأي العام أن ينتقد السياسات العمومية، فإن من واجبه أيضاً أن يميز بين النقد السياسي المشروع وبين المساس بالحياة الخاصة أو إطلاق الاتهامات دون سند.
فاطمة الزهراء المنصوري ليست فوق النقد، لكنها أيضاً ليست فوق الإنصاف. ومسارها الممتد بين المحاماة، والتدبير المحلي، والعمل الحكومي، والقيادة الحزبية، يجعلها واحدة من أبرز الشخصيات النسائية التي طبعت الحياة السياسية المغربية خلال العقدين الأخيرين.
ولعل الزمن سيحتفظ باسمها ضمن الجيل الذي رسخ حضور المرأة في مراكز القرار، وجعل من الكفاءة والعمل الميداني معياراً أساسياً لتولي المسؤولية. ومن هذا المنطلق، فإن وصفها بـ”أيقونة المرأة السياسية المغربية” يبقى توصيفاً يعكس حجم حضورها وتأثيرها في المشهد السياسي الوطني، مع بقاء التقييم النهائي رهيناً بما ستسجله صفحات التاريخ من إنجازات وإصلاحات.