ليست كل القرارات الدستورية مجرد أحكام تنتهي لحظة صدورها، فبعضها يؤسس لمرحلة جديدة في فهم الدستور، ويرسم بوضوح الحدود الفاصلة بين السلط، ويضع حداً لكل اجتهاد قد يؤدي، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى المساس باستقلال مؤسسة دستورية.
ومن هذا المنطلق، يكتسي قرار المحكمة الدستورية رقم 278/26 م.د.، في الملف عدد 324/26 أهمية خاصة، لأنه لم يتعامل مع مسألة إدراج منصب المحافظ القضائي العام ضمن لائحة المناصب العليا التي يتم التداول بشأن التعيين فيها في مجلس الحكومة باعتبارها مجرد مسألة تقنية أو إدارية، وإنما وضعها في إطارها الدستوري الصحيح: استقلال السلطة القضائية.
وهنا بالضبط تكمن قوة القرار.
فالمحكمة الدستورية أكدت، في جوهر تعليلها، أن استقلال السلطة القضائية الذي كرسه الدستور ليس استقلالاً انتقائياً أو مجزأً، بحيث تكون السلطة القضائية مستقلة عندما يتعلق الأمر بإصدار الأحكام، ثم تصبح خاضعة لمنطق السلطة التنفيذية عندما يتعلق الأمر بالتسيير الإداري أو المالي لهياكلها.
ذلك أن الاستقلال الحقيقي لا يمكن أن يكون استقلالاً في قاعة المحكمة فقط، بينما تكون مفاتيح التعيين والتدبير الإداري والمالي في يد سلطة أخرى.
الدستور لا يقسم الاستقلال إلى نصفين
هذه هي الرسالة الأقوى التي يحملها القرار.
فحين يتحدث الدستور عن استقلال السلطة القضائية، فإن الأمر لا يتعلق فقط باستقلال القاضي أثناء نظره في ملف قضائي، وإنما باستقلال المؤسسة القضائية ككل، بما يضمن لها القدرة على تدبير شؤونها الداخلية بعيداً عن أي تدخل من سلطة أخرى.
ومن هنا، فإن نقل اختصاص تعيين مسؤول إداري أو مالي داخل هياكل المجلس الأعلى للسلطة القضائية إلى السلطة التنفيذية لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد إجراء شكلي.
لأن السؤال الحقيقي ليس: من يوقع قرار التعيين؟
السؤال الحقيقي هو: من يملك سلطة القرار داخل مؤسسة يفترض الدستور استقلالها؟
وهنا جاءت المحكمة الدستورية لتضع النقطة على الحرف.
فإذا كان المجلس الأعلى للسلطة القضائية مؤسسة دستورية مستقلة، فإن تمكين السلطة التنفيذية من تعيين مسؤولين داخل بنيته الإدارية والمالية قد يخلق، ولو بصورة غير مباشرة، علاقة تبعية لا تنسجم مع مقتضيات الاستقلال الدستوري.
الاستقلال الإداري والمالي ليس ترفاً مؤسساتياً
لقد كان من الممكن أن ينظر البعض إلى المسألة باعتبارها خلافاً حول اختصاص في التعيين.
لكن المحكمة الدستورية ذهبت إلى أبعد من ذلك.
فالاستقلال المالي والإداري ليسا امتيازاً ممنوحاً للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، ولا منحة يمكن لأي سلطة أخرى أن توسعها أو تضيقها حسب الظروف.
إنهما من مستلزمات الاستقلال الذي أقره الدستور.
فكيف يمكن لمؤسسة أن تكون مستقلة وهي لا تتحكم بصورة كاملة في جزء من بنيتها الإدارية؟
وكيف يمكن الحديث عن استقلال مالي وإداري إذا كانت السلطة التنفيذية تستطيع أن تتدخل في تعيين المسؤولين عن تدبير تلك الجوانب؟
هنا تتضح القيمة الحقيقية للقرار: المحكمة الدستورية حمت جوهر الاستقلال، وليس مجرد شكله.
الحكومة لها اختصاصاتها… والقضاء له استقلاله
ولعل من الضروري، في هذا السياق، إزالة أي التباس.
القرار لا يعني بأي حال من الأحوال إقصاء الحكومة من ممارسة اختصاصاتها الدستورية، ولا يعني أن السلطة التنفيذية لا تملك سلطة التعيين في المناصب العليا التي يحددها القانون.
بل إن الرسالة الدستورية أكثر دقة من ذلك:
لكل سلطة مجالها الدستوري، ولا يجوز لسلطة أن تتوسع في اختصاصاتها على حساب استقلال سلطة أخرى.
فالحكومة تدبر الشأن العام في نطاق اختصاصاتها، والبرلمان يمارس وظائفه التشريعية والرقابية، والسلطة القضائية تمارس وظائفها باستقلال.
وهذه ليست امتيازات متنافسة، وإنما قواعد أساسية لضمان توازن السلط.
قرار 278/26 ليس ضد الحكومة… بل لصالح دولة المؤسسات
وهنا نختلف مع كل قراءة قد تحاول تقديم القرار باعتباره مواجهة بين المحكمة الدستورية والحكومة.
لا.
الدولة الدستورية لا تُبنى بمنطق المنتصر والمهزوم.
وعندما تقول المحكمة الدستورية إن اختصاصاً معيناً لا ينسجم مع الدستور، فإنها لا تنتصر على الحكومة، وإنما ينتصر الدستور على كل تأويل يمكن أن يمس بتوازن السلط.
وهذه نقطة جوهرية يجب التوقف عندها.
فالحكومة نفسها تستمد مشروعيتها واختصاصاتها من الدستور، كما أن السلطة القضائية تستمد استقلالها منه.
وبالتالي، فإن احترام قرار المحكمة الدستورية ليس انتصاراً لمؤسسة على أخرى، وإنما انتصار لفكرة أسمى: أن الدستور هو المرجع الأعلى للجميع.
المحكمة الدستورية ترسم خطاً أحمر
قرار 278/26 يبعث كذلك برسالة واضحة إلى المستقبل.
فإذا كان التدبير الإداري والمالي جزءاً من ضمانات استقلال مؤسسة دستورية، فإن أي محاولة لإعادة توزيع الاختصاصات بطريقة تجعل سلطة تنفيذية تتحكم في مفاصل مؤسسة قضائية مستقلة ستكون بحاجة إلى فحص دستوري دقيق.
وهذا أمر صحي في دولة المؤسسات.
فالخطورة لا تبدأ دائماً بقرار كبير وواضح، وإنما قد تبدأ أحياناً من اختصاص إداري يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يفتح الباب تدريجياً أمام التأثير في مؤسسة يفترض أن تكون مستقلة.
ومن هنا تأتي أهمية الاجتهاد الدستوري.
المغزى الأعمق: لا استقلال ناقصاً
إن أكثر ما يلفت الانتباه في هذا القرار هو أن المحكمة الدستورية لم تتعامل مع استقلال السلطة القضائية باعتباره شعاراً دستورياً، وإنما باعتباره منظومة متكاملة.
والاستقلال الذي لا يشمل التسيير الداخلي والإداري والمالي يبقى استقلالاً ناقصاً.
والقضاء الذي يحتاج في جزء من بنيته الإدارية إلى قرار صادر عن سلطة أخرى قد يجد نفسه، ولو من الناحية النظرية، أمام علاقة اعتماد لا تنسجم مع مفهوم الاستقلال المؤسساتي.
لهذا فإن القرار يكرس قاعدة بالغة الأهمية:
لا يمكن أن تكون السلطة القضائية مستقلة في ممارسة اختصاصاتها القضائية، ثم تكون غير مستقلة في تدبير بنيتها الداخلية.
«بيتنا الآن»: الدستور لا يحتاج إلى حماية انتقائية
إن قيمة قرار المحكمة الدستورية رقم 278/26 لا تكمن فقط في مآله، وإنما في الفلسفة الدستورية التي يقوم عليها.
فالمغرب الذي اختار، بموجب دستور 2011، بناء دولة المؤسسات وربط المسؤولية بالمحاسبة والفصل والتوازن والتعاون بين السلط، يحتاج إلى اجتهادات دستورية من هذا النوع؛ اجتهادات تمنع اختلاط الاختصاصات وتحمي استقلال المؤسسات.
ولذلك، فإن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى الجميع واضحة:
الحكومة ليست فوق الدستور، والقضاء ليس تابعاً للحكومة، والمحكمة الدستورية ليست خصماً لأي سلطة، وإنما هي حارسة للحدود التي رسمها الدستور بين السلط.
وفي نهاية المطاف، ليست القضية قضية محافظ قضائي عام، ولا قضية تعيين في منصب إداري.
القضية أكبر بكثير.
إنها قضية من يملك القرار داخل المؤسسة القضائية المستقلة؟
وقد جاء جواب المحكمة الدستورية واضحاً:
استقلال السلطة القضائية لا يتجزأ، ولا يجوز أن يتحول الاستقلال الإداري والمالي إلى باب خلفي للتدخل في تسيير مؤسسة جعل منها الدستور سلطة مستقلة.
وهنا، تحديداً، يستعيد الدستور مكانته باعتباره حكماً بين المؤسسات، لا مجرد وثيقة تُستدعى عند الحاجة.
«بيتنا الآن»
الخبر مقدس… والتعليق حر.


