الصحراء المغربية… انتهى زمن «الضغط على المغرب»!

هناك قضايا تُناقش، وهناك قضايا تتحول مع مرور الزمن إلى حقيقة سياسية واقتصادية وميدانية يصعب تجاوزها. وقضية الصحراء المغربية، بالنسبة للمغرب ملكاً وشعباً، لم تعد ورقة قابلة للمساومة ولا نقطة ضعف يمكن أن يُضغط من خلالها على المملكة.

لقد تغيّر كل شيء.

تغيّر المغرب، وتغيّرت الصحراء، وتغيّر العالم من حولهما.

وفي الوقت الذي ظل فيه خصوم الوحدة الترابية يعيشون على قاموس قديم، قائم على الانتظار والمناورة والمراهنة على إنهاك المغرب، كان المغرب يبني على الأرض واقعاً جديداً: مدناً تتوسع، طرقاً ومنشآت وموانئ تتطور، استثمارات تتزايد، ومشاريع استراتيجية تجعل الأقاليم الجنوبية جزءاً أساسياً من الاقتصاد الوطني ومن الامتداد الإفريقي للمملكة.

أما الذين ظلوا يراهنون على أن الصحراء هي «نقطة ضعف المغرب»، فقد أخطأوا العنوان.

الصحراء لم تعد نقطة ضعف… بل أصبحت إحدى نقاط قوة المغرب.

ومن الناحية التاريخية والقانونية، لا يجوز تزوير ما قالته محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر في 16 أكتوبر 1975. فالمحكمة أكدت أن الصحراء الغربية لم تكن أرضاً بلا صاحب، وأقرت بوجود روابط قانونية للبيعة بين سلطان المغرب وبعض القبائل التي كانت تعيش في الإقليم. لكنها، في الوقت نفسه، لم تعتبر تلك الروابط دليلاً على سيادة إقليمية مغربية وفق المعنى الذي كانت تنظر فيه المحكمة إلى السؤال آنذاك.

وهنا بالضبط يجب أن تكون القراءة المغربية أكثر ثقة وهدوءاً: فالمسألة لم تعد تختزل في وثيقة تاريخية أو رأي قانوني صدر قبل نصف قرن، وإنما أصبحت قضية مسار سياسي كامل، وتراكم دبلوماسي، وواقع تنموي، ومبادرة سياسية مغربية، وتأييد متزايد لمقترح الحكم الذاتي باعتباره أساساً للتسوية.

لقد مضت خمسون سنة تقريباً على رأي لاهاي، وخلال هذه العقود لم يتوقف المغرب عن بناء حضوره في أقاليمه الجنوبية.

والسؤال اليوم ليس: ماذا كان المغرب سيبني في الصحراء؟

السؤال هو: ماذا بنى المغرب بالفعل؟

لقد تحولت الداخلة والعيون وباقي مدن الأقاليم الجنوبية إلى فضاءات للتنمية والاستثمار والبنيات التحتية، ولم تعد الصحراء في المخيال الاقتصادي والسياسي المغربي مجرد قضية حدودية، وإنما أصبحت بوابة المملكة نحو إفريقيا وواجهة استراتيجية على المحيط الأطلسي.

ثم جاءت المشاريع الكبرى لتمنح هذا التحول بعداً آخر.

ميناء الداخلة الأطلسي ليس مجرد مشروع بنية تحتية؛ إنه جزء من رؤية استراتيجية لربط الأقاليم الجنوبية بالاقتصاد الوطني وبالعمق الإفريقي. ومشاريع الربط الطرقي والطاقي والاستثماري تؤكد أن المغرب لا ينتظر اعتراف الآخرين كي يبني مستقبله.

المغرب يبني… والآخرون يراقبون.

وهنا تحديداً سقطت رهانات كثيرة.

فمنذ عقود، راهنت جهات مختلفة على أن إبقاء ملف الصحراء مفتوحاً سيُبقي المغرب تحت الضغط، وأن المغرب سيضطر في كل أزمة إلى تقديم تنازلات خوفاً من استعمال الملف ضده.

لكن السنوات أثبتت العكس.

المغرب لم ينهَر تحت الضغط، ولم يتراجع عن ثوابته، بل وسّع علاقاته الدولية، وطور اقتصاده، وعزز حضوره الإفريقي، وفتح شراكات جديدة، وجعل قضية وحدته الترابية في صلب دبلوماسيته.

والأهم من ذلك أن موازين المواقف الدولية نفسها بدأت تتغير.

وفي 31 أكتوبر 2025، جاء قرار مجلس الأمن رقم 2797 ليؤكد استمرار المسار السياسي الأممي، ودعا إلى حل سياسي واقعي ودائم ومقبول من الأطراف وقائم على التسوية، مع استمرار المفاوضات والمشاورات تحت رعاية الأمم المتحدة.

وهنا لا بد من التوقف.

فمن الخطأ اختزال القرار الأممي في عبارة دعائية تقول إن الأمم المتحدة «حسمت قانونياً سيادة المغرب»؛ فهذا ليس ما يقوله نص القرار. لكن من الخطأ أيضاً تجاهل التطور السياسي الكبير الذي عرفه الملف، والتحول المتزايد نحو التعامل مع مبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها أساساً جدياً وواقعياً للتسوية.

وهذه هي الحقيقة التي يجب أن يفهمها من لا يزال يعيش بعقلية الحرب الباردة.

فالعالم تغير.

والتحالفات تغيرت.

والاقتصاد تغير.

والقارة الإفريقية تغيرت.

والمغرب نفسه تغير.

أما بعض العقول، فما زالت تبحث عن مغرب الأمس، وتعتقد أن بإمكانها تحريك ملف الصحراء كلما أرادت الضغط على المملكة.

لا.

ذلك المغرب لم يعد موجوداً.

المغرب اليوم دولة ذات مؤسسات، واقتصاد متطور، ودبلوماسية نشطة، وشراكات استراتيجية متعددة، وحضور إفريقي متزايد، ومشروع تنموي يمتد من طنجة إلى الكويرة.

ولهذا فإن الرهان على إرهاق المغرب عبر الصحراء أصبح رهاناً خاسراً.

لقد اكتشف المغرب، قبل غيره، أن أفضل جواب على المناورات ليس الصراخ ولا الانفعال، وإنما البناء والتنمية والاستثمار والدبلوماسية الهادئة والنفس الطويل.

وفي هذا السياق، فإن ما تحقق في الأقاليم الجنوبية خلال العقود الأخيرة ليس مجرد أرقام ومشاريع، بل هو جزء من جواب مغربي متكامل.

جواب يقول ببساطة:

نحن هنا… نبني، نستثمر، ننمي، وننظر إلى المستقبل.

أما من يريد أن يجعل من قضية الصحراء المغربية أداة للابتزاز السياسي، فعليه أن يدرك أن الزمن تغير، وأن المغرب لم يعد ينتظر شهادة من أحد كي يواصل بناء اقتصاده ومؤسساته ومشاريعه.

لقد انتهى زمن الاعتقاد بأن للمغرب «نقطة ضعف» يمكن الضغط عليها متى شاء الآخرون.

الصحراء قضية وطنية مغربية، والمغرب اختار أن يدافع عنها بالسياسة والدبلوماسية والتنمية والشرعية الدولية، لا بالشعارات وحدها.

ومن هنا نقولها في «بيتنا الآن» بكل وضوح:

من يريد أن يختبر صبر المغرب، فليقرأ تاريخ الخمسين سنة الماضية.

ومن يريد أن يعرف أين تتجه الصحراء، فليذهب إلى الداخلة والعيون.

ومن يريد أن يعرف مستقبل المنطقة، فلينظر إلى الموانئ والطرق والاستثمارات ومشاريع الأطلسي.

أما الذين ما زالوا يعتقدون أن المغرب يمكن أن يُلوى ذراعه بملف الصحراء، فنقول لهم:

لقد أخطأتم الحساب… لأن المغرب لم يعد ينتظر نهاية النزاع كي يبني الصحراء، بل يبني الصحراء وهو يصنع نهاية النزاع.

الصحراء في قلب المشروع المغربي… والمستقبل، لا الماضي، هو الذي سيكتب الكلمة الأخيرة.

«بيتنا الآن» الخبر مقدس… والتعليق حر.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد