حين تسقط الأقنعة: هل حان وقت دفن الجامعة العربية وبناء محور عربي–آسيوي جديد؟

في زمن التحولات العاصفة، لم يعد مقبولًا أن تظل الأمة العربية رهينة مؤسسة فقدت بوصلة الفعل، وتحوّلت إلى مجرد صدى باهت لأزمات لا تُحل. لقد كشفت التوترات الإقليمية الأخيرة، وعلى رأسها التصعيد المرتبط بـ إيران، عجزًا فاضحًا في أداء جامعة الدول العربية، التي بدت وكأنها خارج التاريخ، لا تصدر موقفًا موحدًا، ولا تملك حتى جرأة تسمية التهديدات بأسمائها.

أي معنى يبقى لجامعة لا توحّد الصف عند الخطر؟ وأي جدوى من مؤسسة تتفرج على انقسام أعضائها، بل وعلى خروج بعضهم عن الإجماع دون مساءلة أو محاسبة؟ لقد تحوّلت الجامعة إلى عبء سياسي، بدل أن تكون درعًا جماعيًا، وأصبحت رمزًا للشلل بدل أن تكون عنوانًا للوحدة.

في المقابل، تفرض المرحلة سؤالًا جريئًا: لماذا لا يُعاد تشكيل الخريطة الاستراتيجية عبر خلق تكتل جديد، أكثر واقعية وأكثر قدرة على الفعل؟ تكتل يضم دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، إلى جانب المغرب والأردن، ويمتد نحو عمق آسيوي وازن يشمل باكستان وإندونيسيا وماليزيا.

لسنا أمام حلم طوباوي، بل أمام ضرورة استراتيجية. فالعالم لم يعد يعترف بالتكتلات الهشة، بل بالتحالفات الصلبة التي تمتلك القرار والإرادة والقوة. تكتل عربي–آسيوي بهذا الحجم يمكن أن يشكل قطبًا اقتصاديًا وعسكريًا حقيقيًا، يجمع بين المال الخليجي، والعمق الاستراتيجي المغربي–الأردني، والكتلة البشرية والعسكرية الآسيوية.

الأخطر من كل ذلك، أن استمرار الوضع الحالي يعني ترك الأمن العربي رهين توازنات خارجية، وتحت رحمة صراعات لا تُدار بأيدٍ عربية. وهنا تبرز الحاجة الملحّة إلى تأسيس حلف عسكري عربي–آسيوي، لا يقوم على الشعارات، بل على عقيدة دفاعية مشتركة، وتنسيق استخباراتي، وقدرة ردع حقيقية.

صحيح أن الطريق ليس مفروشًا بالورود. فالتباينات السياسية قائمة، والتحالفات الدولية معقدة، والقرار السيادي ليس سهل التنازل. لكن، أليس الاستمرار في العجز أخطر من مغامرة البناء؟ أليست الجرأة في إعادة التشكيل أقل كلفة من البقاء في حالة التيه؟

لقد آن الأوان لقولها بصوت عالٍ: إن بقاء جامعة الدول العربية بصيغتها الحالية لم يعد خيارًا استراتيجيًا، بل عبئًا تاريخيًا. وإن بناء محور عربي–آسيوي جديد لم يعد ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية في عالم لا يحترم إلا الأقوياء.

التاريخ لا ينتظر المترددين… فإما أن نعيد تشكيل أنفسنا، أو نُعاد صياغتنا من طرف الآخرين.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد