الوقت الذي يفاخر فيه المغرب بتراكم إصلاحاته القضائية، ويؤكد التزامه الدستوري بمبدأ لمناصفة، تكشف الأرقام الرسمية الصادرة عن المجلس الأعلى للسلطة القضائية عن مفارقة مقلقة: النساء يدخلن القضاء… لكنهن لا يصلن إلى قيادته، خاصة داخل القضاء الإداري.
فحسب معطيات حديثة أعلنها محمد عبد النباوي سنة 2026، لا تتجاوز نسبة النساء في مناصب المسؤولية القضائية 10,62% فقط، أي 26 قاضية من مجموع المسؤولين القضائيين بالمملكة .وفي المقابل، يشكلن حوالي 27% من مجموع القضاة وفق التقرير السنوي لسنة 2024 .
هذه الأرقام لا تحتاج إلى تعليق بقدر ما تحتاج إلى مساءلة:كيف يمكن لجهاز قضائي يضم أكثر من ربعه نساء، أن يُقصيهن عملياً من مراكز القرار؟
⚖️ قضاء الحقوق… بلا عدالة داخلية
المفارقة تزداد حدة داخل القضاء الإداري، الذي يُفترض فيه أن يكون حصناً لحماية الحقوق والحريات.غير أن هذا القضاء، بطبيعته التقنية ومركزيته المؤسسية، تحول إلى أحد أكثر المجالات القضائية انغلاقاً أمام النساء في مناصب القيادة.
فالمشكل لم يعد في ولوج المرأة إلى القضاء، بل في “السقف الزجاجي القضائي” الذي يمنعها من الصعود داخل هرم المسؤولية، خصوصاً في محاكم الاستئناف الإدارية ورئاساتها.
🌍 المقارنة الدولية: الفارق ليس في الكفاءة
حين نقارن وضع المغرب مع تجارب أخرى، تتضح الصورة أكثر:
🇫🇷 فرنسا
داخل مجلس الدولة الفرنسي، لم يعد وصول النساء إلى قمة القضاء الإداري استثناءً، بل أصبح مؤشراً على نضج مؤسساتي.فرنسا لم تعتمد فقط على مبدأ تكافؤ الفرص، بل على سياسات فعلية للتمكين والتعيين المتوازن.
🇹🇳 تونس
في المحكمة الإدارية التونسية، وصلت المرأة إلى رئاسة أعلى هيئة إدارية، في تجربة مغاربية تؤكد أن الإرادة الإصلاحية قادرة على كسر الحواجز التقليدية.
🇲🇦 المغرب
أما في المغرب، فرغم الإصلاحات، لا تزال تمثيلية النساء في القيادة القضائية ضعيفة، بل أضعف داخل القضاء الإداري تحديداً، حيث تظل المناصب العليا شبه مغلقة أمامهن.
⚖️ أزمة بنيوية لا ظرفية
الاختلال ليس تقنياً ولا عابراً، بل بنيوي، ويتجلى في:
غياب آليات إلزامية لتحقيق المناصفة
استمرار تأثير الثقافة المؤسسية التقليدية في التعيين
اعتماد معايير غير شفافة أحياناً في توزيع المسؤوليات
ضعف تمكين القاضيات داخل التخصصات الدقيقة كالقضاء الإداري
إنه باختصار:👉 فشل في تحويل الحضور العددي إلى قوة مؤسساتية
📊 من تكافؤ الفرص إلى تكافؤ النتائج
لقد تجاوز النقاش اليوم مرحلة “فتح الباب أمام النساء”،وأصبح السؤال الحقيقي:
هل يملك النظام القضائي المغربي الشجاعة للانتقال من تكافؤ الفرص إلى تكافؤ النتائج؟
فالقضاء، باعتباره سلطة دستورية، لا يمكن أن يدافع عن المساواة خارجياً، وهو لا يجسدها داخلياً.
✍️ كلمة أخيرة
بين نموذج فرنسي يُؤطر التمكين، وتجربة تونسية تكرّس الريادة، يقف المغرب أمام مفترق طرق:
إما أن يواصل الاكتفاء بخطاب الإصلاح،أو أن ينتقل إلى إصلاح عميق يضع المرأة في قلب القرار القضائي، لا على هامشه.
لأن العدالة التي لا تنصف داخل مؤسساتها،تظل عدالة ناقصة… مهما بلغت جودة أحكامها