العلاقات المغربية الإسبانية… أكبر من ضجيج المتاجرين بالأزمات

كلما شهدت العلاقات المغربية الإسبانية حادثاً عابراً، خرجت من جحورها أصوات اعتادت الاستثمار في الأزمات. أحزاب يمينية، وأخرى من أقصى اليمين، وأحزاب يسارية، وأخرى بالكاد تجد لها موطئ قدم في المشهد السياسي، تتسابق جميعها إلى تحويل كل حدث إلى منصة للمزايدات الانتخابية، وكأن مستقبلها السياسي لا يقوم إلا على تأجيج العداء للمغرب.

لكن الحقيقة التي لا يريد هؤلاء الاعتراف بها هي أن العلاقات بين المملكة المغربية والمملكة الإسبانية ليست رهينة منشور على منصة رقمية، ولا عنوان مثير في صحيفة معروفة بعدائها للمغرب، ولا حملة إلكترونية منسقة، ولا خطاب انتخابي يبحث عن أصوات الغاضبين. إنها علاقة صنعتها الجغرافيا، وكرسها التاريخ، وفرضتها المصالح المشتركة بين دولتين جارتين.

المغرب ليس دولة طارئة على التاريخ، بل مملكة عريقة تمتد جذورها لأكثر من اثني عشر قرناً. وإسبانيا بدورها دولة ذات مؤسسات وتاريخ ومصالح استراتيجية تدرك أن مستقبل الضفة الجنوبية للمتوسط لا يبنى بالصراخ ولا بالمزايدات، وإنما بالحوار والتعاون والاحترام المتبادل.

أما الذين يراهنون، في كل مرة، على تسميم الأجواء بين الرباط ومدريد، فإنهم يصطدمون دائماً بحقيقة واحدة: الحكومات تتغير، والأحزاب تصعد وتهبط، والعناوين الإعلامية تختفي مع مرور الأيام، بينما تبقى العلاقات بين الدول قائمة على المصالح العليا، لا على الانفعالات العابرة.

لقد أثبتت التجارب أن كل حملات التحريض، وكل المقالات التي تقتات على العداء للمغرب، وكل الحملات الإلكترونية المنظمة، لم تستطع أن تغير حقيقة واحدة، وهي أن التعاون المغربي الإسباني أصبح ضرورة استراتيجية في الأمن، والهجرة، ومكافحة الإرهاب، والاقتصاد، والاستثمار، والطاقة، والتبادل الإنساني.

ومن يظن أن الضجيج الإعلامي قادر على نسف هذه الشراكة، فهو يسيء قراءة التاريخ والجغرافيا معاً. فالعلاقات بين الدول لا تُدار بمنطق الشعارات، ولا بمنطق الانفعال، بل بمنطق المصالح المتبادلة والإرادة السياسية.

أما الأصوات التي لا تعيش إلا على تأجيج الخلافات، فستبقى تدور في الحلقة نفسها، تكرر الخطاب ذاته عند كل أزمة، ثم تختفي عندما تعود العلاقات إلى طبيعتها. لقد علمتنا التجارب أن الأحداث تمر، والأزمات تنقضي، وتبقى الدول التي تعرف كيف تحمي مصالحها، بينما يظل أصحاب المزايدات أسرى خطاب لا ينتج إلا مزيداً من الضجيج.

إن المغرب وإسبانيا سيظلان جارين تجمعهما الجغرافيا، وتفرض عليهما المصالح المشتركة التعاون مهما اشتدت العواصف. أما الذين يراهنون على القطيعة الدائمة، فقد أثبت الواقع، مرة بعد أخرى، أن رهاناتهم تخيب أمام منطق الدولة وموازين المصالح.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا