البرلمان يفرغ مقاعده… والمعركة الانتخابية تنطلق قبل صافرة البداية

لم يعد المشهد البرلماني كما كان. فالوجوه التي اعتاد المغاربة رؤيتها كل يوم اثنين وهي تترافع، وتنتقد، وتدافع، وتوجه الأسئلة إلى أعضاء الحكومة، بدأت تغادر قبة مجلس النواب الواحد تلو الآخر، وكأن العد التنازلي لنهاية الولاية التشريعية قد انطلق قبل موعده الرسمي.

قد تبدو الاستقالة، من الناحية القانونية، إجراء عادياً، لكنها من الناحية السياسية تحمل رسائل عميقة. فالنواب الذين غادروا مقاعدهم يدركون أن المرحلة المقبلة لن تُحسم داخل قاعة الجلسات، وإنما في الميدان، وبين الناخبين، وفي مفاوضات الأحزاب حول التزكيات والدوائر والتحالفات.

اللائحة الأولية للمغادرين أو الذين شغرت مقاعدهم إلى حدود اليوم تشمل:

عبد المجيد الفاسي الفهري.

خالد حاتمي.

نور الدين كشبل.

خالد العجلي.

أحمد الضاهي.

ومن غير المستبعد أن تعرف الأيام المقبلة استقالات أخرى، مع احتدام المنافسة بين الأحزاب واقتراب موعد إيداع الترشيحات.

إن ما يحدث اليوم يكشف أن الأحزاب دخلت عملياً مرحلة إعادة رسم خريطتها الانتخابية. فهناك من يسعى إلى تغيير دائرته الانتخابية، وهناك من يفسح المجال لمرشح جديد، وهناك من يعيد ترتيب بيته الداخلي استعداداً لمعركة ستكون من أكثر المعارك الانتخابية تنافساً في السنوات الأخيرة.

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل تتحول المؤسسة التشريعية في نهاية كل ولاية إلى محطة عبور نحو الانتخابات، أم أن الواجب الدستوري والأخلاقي يقتضي استمرار النائب في أداء مهمته إلى آخر يوم من ولايته؟

إن الناخب المغربي الذي منح ثقته لنائبه من أجل تمثيله طوال الولاية، من حقه أن يتابع هذا المشهد وأن يتساءل عن أسبابه، وعن مدى تأثيره على أداء المؤسسة التشريعية في الأشهر الأخيرة من عمرها.

ومع ذلك، فإن هذه الاستقالات تعكس أيضاً حيوية المشهد السياسي، وتؤكد أن الأحزاب لم تعد تنتظر انطلاق الحملة الانتخابية الرسمية، بل شرعت منذ الآن في ترتيب صفوفها، واستنفار أجهزتها، واختيار مرشحيها، استعداداً لاستحقاقات ستحدد ملامح الأغلبية الحكومية المقبلة.

لقد انطلقت الانتخابات سياسياً، حتى وإن لم تنطلق قانونياً بعد. وما يجري تحت قبة البرلمان ليس سوى أول فصول معركة ستنتقل قريباً إلى المدن والقرى والأسواق والفضاءات العمومية، حيث سيكون المواطن المغربي هو الحكم الأول والأخير.

وفي النهاية، فإن المقاعد قد تشغر، والأسماء قد تتغير، لكن الكلمة الفصل ستبقى لصندوق الاقتراع. فهو وحده الكفيل بمنح الشرعية، وتجديد النخب، ورسم الخريطة السياسية للمملكة خلال السنوات الخمس المقبلة.

“بيتنا الآن” ستواصل مواكبة هذه التحركات، ورصد كل استقالة، وكل انتقال، وكل تحالف، وكل ما من شأنه أن يساعد القارئ على فهم ما يجري خلف كواليس المشهد السياسي، بعيداً عن الإشاعة، وقريباً من الخبر والتحليل.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد