والله إن المرء ليقف حائراً أمام طريقة تفكير حكام الجزائر، وأمام هذا الإصرار الغريب على تحويل كل مأساة داخلية إلى مؤامرة خارجية، وكل فشل في تدبير شؤون البلاد إلى شماعة اسمها: المغرب!
الجزائر تحترق، والمواطنون يعيشون الرعب، والأسر تودع أبناءها، والنيران تلتهم الغابات والممتلكات، وفي خضم هذه المأساة يظل السؤال الكبير مطروحاً: أين الدولة؟ وأين المسؤولية؟ وأين الحقيقة؟
بدل أن تنشغل السلطة الجزائرية بإقناع مواطنيها بأنها تفعل كل ما تستطيع لإنقاذ الأرواح وإخماد الحرائق، يجد الجزائري نفسه أمام خطاب سياسي وإعلامي اعتاد أن يجعل المغرب حاضراً في كل شيء، حتى في الكوارث الطبيعية!
وإذا كانت هناك اتهامات بوجود عمل إجرامي أو تخريبي وراء بعض الحرائق، فإن الطريق الطبيعي ليس إطلاق الاتهامات جزافاً، ولا صناعة عدو خارجي قبل اكتمال التحقيقات، وإنما فتح تحقيق شفاف ومستقل، وتقديم الأدلة للرأي العام، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، أياً كان موقعه.
أما أن تصبح عبارة «المخزن المغربي» جواباً جاهزاً لكل سؤال، فهذه ليست سياسة دولة، بل هروب من مواجهة الأسئلة الحقيقية.
أيها الحكام في الجزائر، المواطن الجزائري لا يحتاج إلى خطب عن المغرب بقدر ما يحتاج إلى من يحميه من النار، ويضمن له مستشفى محترماً، وطريقاً آمناً، وخدمة عمومية لائقة، واقتصاداً يوفر له الأمل في المستقبل.
لقد أصبح المغرب، بشهادة الوقائع والمشاريع، منشغلاً ببناء المستقبل: بنيات تحتية، طرق سيارة وسريعة، موانئ، سكك حديدية، صناعات للسيارات والطائرات ومكوناتها، استثمارات، مشاريع طاقية، سدود، ومشاريع كبرى تمتد من طنجة إلى الأقاليم الجنوبية.
وفي الوقت الذي يتقدم فيه المغرب في أوراش التنمية، لا تزال بعض أبواق الإعلام الجزائري تستيقظ وتنام على سؤال واحد: ماذا فعل المغرب؟
ونحن نسأل بالمقابل: وماذا فعلتم أنتم للمواطن الجزائري؟
ماذا قدم له خطاب «القوة الضاربة»؟
ماذا قدم له التخويف من المغرب؟
ماذا قدم له تحويل كل أزمة داخلية إلى مؤامرة خارجية؟
وماذا قدم له الصراع السياسي والإعلامي الذي لا ينتهي؟
الشعوب لا تعيش بالشعارات، ولا تُطعمها الدعاية، ولا تحميها الاتهامات المجانية.
الشعب الجزائري شعب شقيق، وله في قلوب المغاربة مكانة لا تحتاج إلى إذن من أحد. ومأساة الجزائريين في الحرائق ليست مناسبة للشماتة، بل مناسبة لطرح سؤال أخلاقي وسياسي: لماذا لا تكون حياة المواطن الجزائري هي الأولوية الأولى؟
وإذا كانت السلطة الجزائرية تملك أدلة على أن جهة ما تقف وراء الحرائق، فلتقدمها للشعب الجزائري وللعالم. أما أن تبدأ عملية البحث عن المتهم قبل اكتمال التحقيق، فذلك يفتح الباب أمام كل الاحتمالات، ويجعل الرأي العام يتساءل: هل المطلوب كشف الحقيقة، أم العثور على كبش فداء؟
أما أبناء الجزائر الأحرار الذين يوثقون ما يرونه ويطرحون الأسئلة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فإن أصواتهم تستحق أن تُسمع، لأن الحقيقة لا تُدفن خلف الجدران، ولا تستطيع الدعاية أن تحجبها إلى الأبد.
وفي المغرب، لا ندعي أن بلدنا بلا مشاكل أو أن كل شيء وردي. لكن الفرق أن المغرب اختار، في ظل القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس، أن يجعل التنمية والمشاريع والاستثمار والبنيات التحتية والانفتاح الاقتصادي جزءاً من معركته من أجل المستقبل.
إنها معركة بين من يريد أن يبني، ومن يريد أن يظل مشغولاً بما يبنيه الآخر.
أيها الحكام في الجزائر، اتركوا المغرب للمغاربة، واتركوا الشعب الجزائري يطالب بحقوقه في الأمن والتنمية والكرامة.
فالمغرب لن يتوقف عن البناء لأن إعلاماً جزائرياً هاجمه، ولن تتوقف عجلة التنمية لأن جنرالات الجزائر اكتشفوا مرة أخرى أن أفضل طريقة لصرف أنظار شعبهم عن مشاكله هي البحث عن عدو خارج الحدود.
والحقيقة التي لا تحتاج إلى مخابرات ولا إلى أبواق إعلامية هي أن الدول تُقاس بما تبنيه لشعوبها، لا بما تقوله عن جيرانها.
الجزائر لا تحتاج إلى حرب إعلامية مع المغرب… الجزائر تحتاج إلى دولة تستمع إلى شعبها، تحمي مواطنيها، وتحاسب المسؤولين عن التقصير، وتضع حياة الإنسان فوق كل اعتبار.
أما المغرب، فسيواصل طريقه.
يبني… ويعمل… ويتقدم.
والتاريخ وحده سيحكم في النهاية:
من اختار معركة البناء، ومن اختار معركة الشعارات.
«بيتنا الآن» — الخبر مقدس والتعليق حر.