المهزلة… وما بعدها مهزلة! حين تكذّب مدريد الشكوى… وتقرر «Hazte Oír» أن تكون قاضيةً مكان إسبانيا!

بلغ العبث مداه… وبلغت معه بعض الجهات في إسبانيا درجة من التناقض تجعل المرء يتساءل: هل نحن أمام نقاش قانوني جدي، أم أمام محاولة سياسية رخيصة لإعادة تدوير أزمة سبتة بمنطق «ابحثوا عن المغرب ولو لم يكن هناك دليل»؟

ففي الوقت الذي وقف فيه رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز أمام المؤسسات الإسبانية، وتحدثت الحكومة الإسبانية عن ملابسات الأزمة، بل وذهبت التصريحات الرسمية الأخيرة إلى نفي وجود معلومات تشير إلى مسؤولية المغرب عن الأزمة، خرجت منظمة إسبانية تُدعى Hazte Oír لتتقمص دور النيابة العامة الدولية، وتتقدم بشكوى إلى مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، مطالبة بالتحقيق مع مسؤولين مغاربة على خلفية ما وقع في سبتة.

وهنا يحق لـ«بيتنا الآن» أن تسأل هذه المنظمة، وبكل وضوح: من أين استمددتم هذه الثقة؟ ومن أين استخرجتم هذه الأدلة التي لم تظهر للحكومة الإسبانية نفسها بالصورة التي تقدمونها أنتم؟

إذا كانت لديكم أدلة جنائية دامغة، فلماذا لا تقدمونها للرأي العام الإسباني أولاً؟

وإذا كانت الحكومة الإسبانية نفسها تقول إن المعطيات المتوفرة لا تشير إلى مسؤولية المغرب، فمن أين جاءتكم أنتم هذه «الحقيقة» التي تريدون أن تضعوها على مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية؟

هل أصبحتم أكثر اطلاعاً من أجهزة الدولة الإسبانية؟

هل أصبحتم أكثر معرفة من الحكومة الإسبانية؟

هل أصبحتم أكثر قدرة على تقييم الوقائع من الأجهزة الأمنية والاستخباراتية والقضائية الإسبانية؟

أم أن القضية ببساطة هي أن هناك من يريد أن يجعل من المغرب شماعة جاهزة لكل أزمة، حتى عندما لا تسعفه الوقائع؟

إن «بيتنا الآن» لا تدافع عن أحد فوق القانون، ولا تعترض على فتح أي تحقيق جدي عندما تتوفر عناصر قانونية حقيقية. لكنها ترفض أن تتحول العدالة الدولية إلى منصة لتصفية الحسابات السياسية أو صناعة العناوين الإعلامية.

فالمحكمة الجنائية الدولية ليست صندوق بريد لكل منظمة تريد أن تحقق لنفسها حضوراً إعلامياً، وليست مكتباً لتسجيل الشكايات بهدف إدانة هذا الطرف أو ذاك قبل أن تتحدث الأدلة.

ثم إن السؤال الأكبر الذي يطرح نفسه على أصحاب هذه الشكوى هو: هل يعرفون أصلاً طبيعة اختصاص المحكمة الجنائية الدولية؟

فليس كل حادث سياسي أو أزمة هجرة أو واقعة حدودية يتحول تلقائياً إلى جريمة تدخل في اختصاص المحكمة الجنائية الدولية. والحديث عن «جرائم ضد الإنسانية» ليس شعاراً سياسياً يُرفع أمام الكاميرات، وإنما وصف قانوني له شروط ومعايير دقيقة.

ولهذا نقول لـ«Hazte Oír»:

لا تخلطوا بين السياسة والقانون.

ولا تجعلوا من المحكمة الجنائية الدولية ساحة لمعركة سياسية مع المغرب.

فإذا كان لديكم دليل، فضعوه على الطاولة.

وإذا كان لديكم شاهد، فليتكلم.

وإذا كان لديكم تقرير استخباراتي، فأبرزوه.

وإذا كانت لديكم وثائق تثبت أن مسؤولين مغاربة أعطوا أوامر بتنفيذ ما تزعمونه، فلتقدم إلى الجهات المختصة.

أما أن تُبنى القضية على الاستنتاجات والتأويلات والرغبة السياسية في اتهام المغرب، فهذا لا يصنع ملفاً جنائياً، بل يصنع مادة إعلامية عابرة.

والأكثر إثارة للسخرية أن المنظمة تتحرك وكأنها تريد أن تقول للعالم: نحن نعرف ما لا تعرفه مدريد!

فهل تريد «Hazte Oír» أن تقنع الإسبان بأن المنظمة تعرف الحقيقة أكثر من حكومة بلادها؟

وهل تريد أن تقول إن رئيس الحكومة الإسبانية لم يكن يعرف ما يقول عندما نفى وجود معلومات تشير إلى مسؤولية المغرب؟

ثم إن المشهد أصبح أكثر غرابة عندما اتجه الخطاب الرسمي الإسباني إلى الحديث عن احتمال وجود دور لشبكات مرتبطة بروسيا وإسرائيل في تضخيم الأزمة ونشر التضليل، وهي اتهامات رفضتها موسكو وتل أبيب وطالبتا بأدلة عليها.

وهنا نسأل أصحاب الشكوى:

إذا كانت مدريد نفسها تعيد النظر في رواية الأحداث وتبحث عن خيوط أخرى، فلماذا قررتم أنتم إغلاق التحقيق قبل أن يبدأ، وتوجيه أصابع الاتهام مباشرة إلى المغرب؟

إننا في «بيتنا الآن» لا نطلب من «Hazte Oír» أن تحب المغرب.

ولا نطلب منها أن تتبنى موقف الرباط.

ولا نطلب منها حتى أن تتفق مع السياسة المغربية.

لكننا نطالبها فقط بشيء اسمه القانون.

فالقانون لا يُبنى على الكراهية، ولا على الانطباعات، ولا على الرغبة في الانتقام السياسي.

والعدالة لا تكون عدالة إذا حُدد المتهم أولاً ثم بدأ البحث عن الجريمة بعد ذلك.

أما المغرب، الذي تربطه بإسبانيا علاقات سياسية وأمنية واقتصادية عميقة، والذي يشكل التعاون بين البلدين أحد الملفات الأساسية في قضايا الهجرة والأمن ومكافحة الجريمة، فلا يمكن اختزاله في صورة «متهم دائم» كلما انفجرت أزمة على الضفة الأخرى من المتوسط.

وإذا كانت «Hazte Oír» تراهن على أن مجرد إيداع الشكوى يعني إدانة المغرب، فهي واهمة.

الشكوى ليست حكماً.

والاتهام ليس إدانة.

والضجيج الإعلامي ليس دليلاً.

والمحكمة ليست مسرحاً للانتقام السياسي.

لذلك، ومن موقعنا كصحيفة مغربية تؤمن بأن «الخبر مقدس والتعليق حر»، نقول لهذه المنظمة:

اشتغلوا بالقانون، لا بالشعارات.

قدموا الأدلة، لا الاتهامات.

وأثبتوا أولاً أن لديكم ما يستحق أن يُسمع، قبل أن تطلبوا من العالم أن يصدق روايتكم.

أما إذا كان الملف لا يتجاوز ما نشرتموه من اتهامات واستنتاجات، فإن السؤال ليس: هل ستسقطون المغرب أمام المحكمة الجنائية الدولية؟

بل السؤال الحقيقي هو:

هل ستسقط شكواكم أمام أول اختبار قانوني جدي؟

والأيام وحدها كفيلة بأن تجيب.

لكن شيئاً واحداً يجب أن يبقى واضحاً:

المغرب ليس حائطاً قصيراً لكل من يريد أن يصنع لنفسه بطولة سياسية على حسابه.

و«بيتنا الآن» ستظل تراقب هذا الملف، لا بمنطق الدفاع الأعمى، وإنما بمنطق الصحافة التي تسأل:

أين الدليل؟

أين الاختصاص؟

أين المسؤولية الجنائية الفردية؟

وأين الحقيقة التي لم تستطع حتى الرواية الرسمية الإسبانية أن تحسمها بعد؟

أما تحويل المغرب إلى متهم جاهز، فهذه ليست عدالة…

هذه هي المهزلة… وما بعدها مهزلة.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد