النيابة العامة تشهر سيف القانون في انتخابات 23 شتنبر…لم يعد يفصل المغرب عن انتخابات مجلس النواب المقررة يوم 23 شتنبر 2026 سوى أسابيع قليلة، وفي الوقت الذي بدأت فيه حرارة المنافسة الانتخابية ترتفع، جاءت رسالة واضحة من المؤسسة القضائية المختصة: الانتخابات ليست مجالاً للفوضى، وإرادة الناخبين ليست سلعة، والقانون لن يكون متفرجاً.
رئاسة النيابة العامة، بقيادة هشام بلاوي، الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض ورئيس النيابة العامة، وجهت دورية إلى الوكلاء العامين للملك ووكلاء الملك بمختلف محاكم المملكة، داعية إلى التعبئة والمواكبة الفعالة لمختلف مراحل الاستحقاقات الانتخابية، والتصدي بحزم لكل ممارسة من شأنها المساس بسلامة العملية الانتخابية أو التأثير في نزاهتها وشفافيتها.
والرسالة هنا ليست تقنية ولا بروتوكولية.
إنها رسالة إنذار لكل من يعتقد أن الانتخابات موسم مفتوح للمال والنفوذ والولائم واستعمال الوسائل العمومية وشراء الذمم.
من يشتري صوتاً… يسرق إرادة وطن
الانتخابات ليست وليمة.
وليست سباقاً لمن يملك المال الأكثر.
وليست فرصة لتحويل الجماعات الترابية ومواردها ووسائلها البشرية واللوجستيكية إلى أدوات انتخابية لفائدة هذا المرشح أو ذاك.
إنها لحظة دستورية يختار فيها المواطن ممثليه.
ولهذا فإن أي محاولة للتأثير على إرادة الناخبين ليست مجرد مخالفة انتخابية عابرة، وإنما اعتداء على جوهر العملية الديمقراطية نفسها.
وهنا تأتي أهمية تعليمات رئاسة النيابة العامة التي دعت إلى تسريع الأبحاث المرتبطة بالشكايات الانتخابية وتفعيل المقتضيات القانونية الزجرية وتقديم المخالفين إلى العدالة، مع تأمين المداومة خلال فترة الاستحقاقات.
رسالة إلى أصحاب المال السياسي
من اعتاد أن يدخل الانتخابات محملاً بالأموال، معتقداً أن بإمكانه شراء الأصوات كما تُشترى السلع، عليه أن يعيد حساباته.
ومن يعتقد أن الوليمة الانتخابية يمكن أن تتحول إلى صندوق اقتراع، وأن الوعود والهدايا والمنافع الشخصية يمكن أن تصنع شرعية، عليه أن يعرف أن الدولة وضعت عيونها على العملية الانتخابية.
المال قد يشتري لحظة، لكنه لا يشتري الشرعية.
والصندوق الذي يصل إليه المال قبل الناخب، يفقد معناه الديمقراطي.
ورسالة أخرى إلى مستعملي النفوذ والوسائل العمومية
هناك فرق كبير بين خدمة المواطن واستعمال المواطن.
وهناك فرق أكبر بين تدبير المرفق العمومي وبين تحويله إلى آلة انتخابية.
السيارة العمومية ليست سيارة المرشح.
الموظف العمومي ليس عضواً في الحملة الانتخابية.
الجماعة الترابية ليست ملكاً لحزب.
والإدارة ليست مكتباً انتخابياً.
ولهذا فإن أي استعمال للوسائل أو الإمكانيات العمومية لفائدة حملة انتخابية يجب أن يُنظر إليه بمنتهى الجدية، متى توفرت عناصر المخالفة القانونية.
فالمرفق العمومي ملك للمواطنين جميعاً، وليس ملكاً لمن يجلس مؤقتاً على كرسي المسؤولية.
جرسيف… وكل مدينة وقرية تحت المجهر
وفي المدن والأقاليم، حيث يعرف الناس بعضهم بعضاً، لا تحتاج المخالفات دائماً إلى أجهزة متطورة لاكتشافها.
المواطن يرى.
ويصور.
ويسجل.
ويتحدث.
لكن الأهم أن الشكايات والبلاغات يجب أن تجد طريقها إلى المؤسسات المختصة، وأن يتم التعامل معها وفق القانون، بعيداً عن تصفية الحسابات السياسية أو التشهير أو الاتهامات المجانية.
وهنا جاءت أهمية توجيه رئاسة النيابة العامة نحو تعزيز التنسيق بين الخلايا الجهوية والمحلية المحدثة لدى النيابات العامة والخلية المركزية برئاسة النيابة العامة، إلى جانب التنسيق مع الفرق الأمنية المكلفة بمواكبة قضايا الانتخابات.
القضاء لا يختار المرشحين… لكنه يحمي قواعد اللعبة
وهذه نقطة يجب أن تكون واضحة للجميع.
النيابة العامة لا تختار مرشحاً ضد آخر.
ولا تدخل في المنافسة السياسية.
ولا تحدد لمن سيصوت المواطن.
لكنها مطالبة بأن تكون حاضرة عندما يتم خرق القانون.
فالغاية، كما تؤكد رئاسة النيابة العامة، هي تعزيز الأمن الانتخابي وثقة المواطنين وتكريس الفصل 11 من الدستور الذي يجعل الانتخابات الحرة والنزيهة والشفافة أساساً لمشروعية التمثيل الديمقراطي.
وهنا يكمن جوهر المسألة:
الدولة لا تحمي مرشحاً من مرشح، وإنما تحمي الناخب من كل من يريد اختطاف صوته.
انتهى زمن «افعل ما تشاء ثم اطلب الصفح»
الرسالة التي وصلت اليوم إلى مختلف النيابات العامة بالمملكة ينبغي أن تُقرأ جيداً.
فالمرحلة المقبلة ليست مرحلة التساهل مع المخالفات الانتخابية، ولا مرحلة انتظار انتهاء الانتخابات ثم فتح الملفات.
التوجيهات تتحدث عن المواكبة والتتبع وتسريع الأبحاث والتنسيق والمداومة.
أي أن العين القضائية ستكون حاضرة قبل الاقتراع وأثناءه وبعده.
ومن هنا نقول لكل من يستعد لخوض الانتخابات:
نافسوا كما شئتم، ارفعوا سقف برامجكم، أقنعوا الناخبين، نظموا حملاتكم، واجتهدوا في التواصل معهم… لكن لا تعبثوا بالصندوق.
لأن الصندوق ليس ورقة.
الصندوق هو صوت المواطن.
ومن يعبث بصوت المواطن، يعبث بشرعية المؤسسات التي ستولد من ذلك الصوت.
كلمة «بيتنا الآن»
إن انتخابات 23 شتنبر ليست مجرد موعد سياسي.
إنها امتحان للدولة، وللأحزاب، وللمرشحين، وللإدارة، وللمواطن، وللمؤسسات القضائية.
وإذا كان هناك من اعتاد أن يعتبر الانتخابات موسماً للمال والنفوذ والولائم والامتيازات، فإن رسالة رئاسة النيابة العامة جاءت لتقول بوضوح:
القانون حاضر.
وإذا كان هناك من يعتقد أن قربه من مسؤول أو منتخب أو صاحب نفوذ سيمنحه حصانة من المتابعة، فعليه أن يتذكر أن الدورية موجهة إلى مختلف النيابات العامة بالمملكة، وأن رئاسة النيابة العامة طلبت مواكبة العملية الانتخابية والتصدي للممارسات التي تمس نزاهتها.
الانتخابات الحرة لا تصنعها الشعارات.
ولا يصنعها المال.
ولا تصنعها الولائم.
ولا تصنعها السيارات الفارهة.
ولا يصنعها النفوذ.
يصنعها ناخب حر، وصندوق نزيه، وقانون يُطبق على الجميع دون استثناء.
ولهذا فإن رسالة النيابة العامة ليست مجرد دورية إدارية.
إنها، في جوهرها، رسالة إلى كل من يفكر في تحويل الانتخابات إلى سوق: انتهى زمن اللعب بإرادة الناخبين.
بيتنا الآن
الخبر مقدس والتعليق حر.