هل أصبح البرلمان في جرسيف مدرسة للتوريث السياسي؟ أم أن النخب الجرسيفية اختارت بإرادتها أن تسلّم مفاتيح المشهد الانتخابي للآخرين؟
رصدت “بيتنا الآن” الإلكترونية، بوسائلها الخاصة، الحضور المكثف لمرشحي الانتخابات البرلمانية المقرر تنظيمها يوم 23 شتنبر 2026، الذين حجوا من مختلف أقاليم الجهة الشرقية إلى مدينة بركان، لحضور التجمع الخطابي الذي نظمه حزب الأصالة والمعاصرة.
وبين الحاضرين، لفت انتباه طاقم “بيتنا الآن” حضور مرشح دائرة جرسيف، مرفوقاً بابنه المستشار بمجلس المستشارين، إلى جانب شاب قُدّم للطاقم باعتباره وصيف لائحة الحزب بالدائرة الانتخابية بجرسيف، وهو يخوض تجربته الانتخابية الأولى.

وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية…
لا نناقش حق أي أب في اختيار ابنه، ولا حق أي شاب في دخول غمار السياسة، ولا حق أي حزب في اختيار مرشحيه، ما دام ذلك يتم في احترام القانون والمساطر الداخلية للحزب. فالسياسة ليست ملكاً حصرياً لعائلة، كما أنها ليست ملكاً حصرياً للمثقفين أو الأعيان أو الشباب.
لكن السؤال الذي يحق للرأي العام الجرسيفي أن يطرحه هو: لماذا تترك النخب السياسية والثقافية والاجتماعية والشبابية في جرسيف الساحة فارغة، ثم تستيقظ كل خمس سنوات لتكتشف أن الخريطة الانتخابية تغيرت؟
السياسة لا تحتلها العائلات بالقوة، وإنما تترك لها الساحة عندما ينسحب الآخرون.
وإذا كانت عائلة بعينها قد نجحت في بناء حضور انتخابي قوي، واستطاعت أن تحافظ على امتدادها داخل المؤسسات المنتخبة، فذلك في نهاية المطاف نتيجة عمل وتنظيم وحضور وتراكم انتخابي. أما الذين يكتفون بالانتقاد من بعيد، ثم يشتكون من هيمنة الآخرين، فعليهم أولاً أن يجيبوا عن سؤال بسيط:
أين كنتم عندما كانت الساحة السياسية مفتوحة؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في أي مدينة ليس أن تنجح عائلة في الانتخابات، وإنما أن تتحول السياسة إلى مجال شبه مغلق بسبب غياب المنافسين الحقيقيين، وأن يصبح انتقال الخبرة والنفوذ السياسي من جيل إلى جيل أمراً عادياً لا يواجهه أي مشروع سياسي بديل.
والأخطر من ذلك أن يصبح الشاب مجرد امتداد لاسم عائلي، بدل أن يكون امتداداً لمشروع سياسي مستقل، وأن يصبح السؤال في الانتخابات: من ابن من؟ بدل أن يكون: ماذا سيقدم للناخبين؟
جرسيف لا تحتاج إلى حرب ضد العائلات، ولا إلى استهداف الأشخاص، وإنما تحتاج إلى منافسة سياسية حقيقية.
تحتاج إلى مثقف ينزل من برجه العاجي إلى الشارع، وإلى أستاذ جامعي يضع خبرته في خدمة المدينة، وإلى شاب يؤمن بأن السياسة ليست عيباً، وإلى أعيان يتحملون مسؤوليتهم في تأطير المجتمع، وإلى كفاءات تقتنع بأن ترك الساحة فارغة ليس موقفاً سياسياً، بل هو في حد ذاته موقف له نتائجه.
أما أن ينسحب الجميع، ثم يكتشفوا في نهاية المطاف أن عائلة أو عائلات أصبحت صاحبة الحضور الأقوى، فذلك يشبه من يترك ملعب المباراة خالياً ثم يحتج على الفريق الذي سجل الأهداف.
الديمقراطية لا تعاقب من يعمل، وإنما تعاقب من يتفرج.
وإذا كانت هناك عائلات نجحت في صناعة امتداد انتخابي داخل جرسيف، فليس من حق أحد أن يلومها على استثمار حضورها المشروع. اللوم الحقيقي يجب أن يتجه إلى أولئك الذين امتلكوا العلم والشهادة والقدرة والخبرة، لكنهم تركوا السياسة لمن يمتلك القدرة على الحضور والتنظيم والتواصل مع الناخبين.
واليوم، ونحن على أبواب انتخابات 23 شتنبر، تبدو الرسالة واضحة:
إما أن تتحرك النخب الجرسيفية، وإما أن تظل تتفرج على المشهد من مقاعد المتفرجين.
فمن يرفض المنافسة، لا يحق له أن يشتكي من فوز منافسه.
ومن يترك الساحة فارغة، لا ينبغي أن يتفاجأ عندما يجد الآخرين قد ملؤوها.
أما الحديث عن انتقال المشعل من الأب إلى الابن، وعن إمكانية أن يكون الجيل الجديد امتداداً للجيل السابق، فالحكم في النهاية ليس للأسماء ولا للأنساب، وإنما سيكون للناخب وصندوق الاقتراع.
ولذلك نقولها بكل وضوح:
يا مثقفي جرسيف، يا أعيانها، يا شبابها، يا كفاءاتها… السياسة لا تنتظر أحداً.
إن تركتم الساحة فارغة، فلا تلوموا من دخلها.
وإن تركتم القرار لغيركم، فلا تشتكوا غداً من القرار الذي اتخذه غيركم.
جرسيف ليست ملكاً لعائلة، وليست ملكاً لحزب، وليست ملكاً لنخبة… جرسيف ملك لأبنائها جميعاً. لكن من يريد أن يكون له رأي في مستقبلها، عليه أن ينزل إلى الميدان، لا أن يكتفي بمشاهدة المباراة من المدرجات.
“بيتنا الآن” تقولها صراحة: الانتخابات لا تورّث أحداً، لكنها تكافئ من يعرف كيف يحضر، وكيف يقنع، وكيف ينافس، وكيف يصل إلى الناخب.
والباقي… يحسمه صندوق الاقتراع.
هذه النسخة أقوى في النبرة، لكنها تتجنب تقديم صلة القرابة أو أي سيناريو مستقبلي للاستقالة أو التوريث كـحقيقة ثابتة