هناك وقائع تحدث كل يوم، وفي كل مدينة، وبين المواطنين ورجال الأمن، وتنتهي في لحظتها دون أن تتجاوز حدودها الطبيعية. لكن يبدو أن بعض الوقائع، ما إن يرتبط اسم أحد أطرافها بابن مسؤول أو شخصية عمومية، حتى تتحول فجأة إلى «قضية كبرى»، وتبدأ ماكينة التأويل والتهويل في الاشتغال بلا توقف.
وهذا بالضبط ما حدث في واقعة تطوان التي أثارت خلال الأيام الماضية كثيراً من اللغط، بعدما دخل شاب في خلاف مع مجموعة من الشباب، قبل أن يتدخل رجال الأمن لفض النزاع، لتتوالى بعد ذلك الروايات والتعليقات، وكأننا أمام حدث يهز أمن البلاد واستقرارها!
لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه بكل هدوء: هل كان كل هذا الضجيج سيحدث لو لم يكن أحد أطراف الواقعة ابن وزير؟
هنا تكمن المشكلة الحقيقية.
فـ«بيتنا الآن» لا تدافع عن ابن وزير، ولا تهاجم رجال الأمن، ولا تمنح صك البراءة لأي طرف. نحن ندافع عن مبدأ أبسط من ذلك كله: الوقائع يجب أن تحاكم بحجمها الحقيقي، لا بحجم الأسماء التي ترتبط بها.
وإذا ثبت أن أحد المواطنين أساء إلى رجال الأمن أو تلفظ في حقهم بما يخالف القانون، فالقانون وحده هو الفيصل. وإذا ثبت، بالمقابل، أن عناصر أمنية تجاوزت اختصاصاتها أو أخطأت في استعمال السلطة، فالقانون والإدارة معنيان أيضاً بترتيب المسؤوليات.
والأهم أن الإدارة العامة للأمن الوطني، بحسب المعطيات المتداولة حول الواقعة، لم تتعامل معها بمنطق «حماية رجالها مهما كان الثمن»، بل جرى الرجوع إلى التسجيلات التي وثقتها الكاميرات المحمولة على صدور عناصر الشرطة، وهو أمر مهم لأنه يضع الوقائع أمام التحقيق بعيداً عن الروايات المتضاربة وشهادة هذا الطرف أو ذاك.
وإذا أظهرت التسجيلات وجود إخلال من طرف فريق النجدة الذي تدخل في الواقعة، فإن فتح بحث إداري وترتيب الآثار التأديبية في حق من ثبت تجاوزه ليس ضعفاً من المؤسسة الأمنية، بل قوة للمؤسسة واحترام للقانون.
بل إن الاعتراف بالخطأ، عندما يثبت، أقوى من محاولة إخفائه.
لكن ما يثير الاستغراب هو أن الواقعة نفسها خرجت من إطارها الطبيعي، وتحولت على مواقع التواصل الاجتماعي وفي بعض النقاشات إلى معركة سياسية وإعلامية، فقط لأن «ابن وزير» كان حاضراً في المشهد.
وهنا نقولها بصراحة:
هل أصبح أبناء المسؤولين مواطنين من درجة أخرى، حتى تتحول مشاجرة عابرة إلى حدث وطني؟
وإذا كان ابن الوزير قد أخطأ، فليتحمل مسؤولية خطئه مثل أي مواطن. وإذا أخطأ رجل الأمن، فليتحمل مسؤولية خطئه مثل أي موظف عمومي. لا امتياز لأحد، ولا حصانة لأحد أمام القانون.
أما أن نستمر في تضخيم كل واقعة لمجرد أن فيها اسماً معروفاً، فهذا لا يخدم لا دولة القانون ولا صورة المؤسسات ولا حتى العمل الصحفي الجاد.
الصحافة ليست محكمة شعبية، ومواقع التواصل ليست بديلاً عن التحقيقات، والكاميرات ليست مادة للتشويق، بل وسيلة لإظهار الحقيقة.
والمؤسسات الأمنية نفسها لا يمكن أن تكون فوق النقد، لكنها أيضاً لا يجوز أن تكون كبش فداء لكل رواية تنتشر على الإنترنت قبل اكتمال التحقيق.
الأخطر من الواقعة نفسها هو أن نعتاد على إصدار الأحكام قبل ظهور الحقائق.
فمرة يصبح رجل الأمن «معتدياً» قبل أن يبدأ التحقيق، ومرة يصبح المواطن «مداناً» قبل أن يسمع القضاء كلمته، ومرة تتحول صفة «ابن الوزير» إلى عنوان للقضية وكأن الأبناء يرثون مناصب آبائهم ومسؤولياتهم القانونية!
لا يا سادة.
الدولة التي نريدها هي التي يكون فيها ابن الوزير مواطناً، ورجل الأمن موظفاً مسؤولاً، والمواطن مواطناً، والقانون فوق الجميع.
ومن هنا، فإن ما حدث في تطوان ينبغي أن ينتهي حيث يجب أن ينتهي: في التحقيق، وفي تحديد المسؤوليات، وفي تطبيق القانون، وليس في ساحات التهييج الإلكتروني.
أما تحويل حادث عابر إلى معركة وطنية، والبحث عن الإثارة في كل زاوية، وتقديم الواقعة للرأي العام على أنها دليل على انهيار المؤسسات أو نفوذ أبناء المسؤولين، فذلك ليس صحافة، بل صناعة للضجيج.
«بيتنا الآن» تقولها بوضوح: لا نحمي ابن الوزير، ولا ندين الشرطي، ولا ندين المواطن. نحن مع الحقيقة.
فإذا أخطأ ابن الوزير، فليحاسب.
وإذا أخطأ الشرطي، فليحاسب.
وإذا أخطأ أي طرف آخر، فليتحمل مسؤوليته.
أما أن نحاكم الناس بأسمائهم ومواقع آبائهم ورتبهم، قبل أن نحاكم الوقائع بأدلتها، فذلك هو الخطر الحقيقي الذي ينبغي أن يقلقنا جميعاً.
والسؤال الذي يجب أن يبقى مطروحاً: إلى أين نريد أن نصل، إذا أصبح كل خلاف بسيط مشروعاً للتهويل، وكل اسم معروف وقوداً لمعركة إلكترونية، وكل واقعة عابرة قضية رأي عام؟
الحقيقة لا تحتاج إلى صراخ.
والقانون لا يحتاج إلى «فيل وقتل».
والدولة القوية هي التي تضع الجميع، مهما كانت أسماؤهم، تحت سقف واحد: سقف القانون.
بيتنا الآن — الخبر مقدس والتعليق حر.