زلزال المتابعة يضرب “أباطرة الصدفة”: النيابة العامة تفتح ملف الثروات المشبوهة دون خطوط حمراء
في منعطف حاسم من معركة تخليق الحياة العامة، وجّه هشام بلاوي تعليمات صارمة لا تحتمل التأويل إلى أجهزة الشرطة القضائية، سواء التابعة لـالدرك الملكي أو المديرية العامة للأمن الوطني، تقضي بتتبع مصادر الثروة ورصد كل مظاهر تضخمها غير المبرر لدى السياسيين والمنتخبين، في خطوة تبدو أقرب إلى إعلان حرب مفتوحة على “أثرياء الصدفة” الذين راكموا ثروات طائلة في زمن قياسي.
ليست مجرد مذكرة عابرة، بل رسالة واضحة: لا أحد فوق المساءلة. فحين يتحول منتخبون، بين عشية وضحاها، من وضعيات عادية إلى إمبراطوريات مالية مترامية الأطراف، فإن الأمر لم يعد يحتمل الصمت أو التبرير، بل يستوجب البحث والتدقيق وربط الثروة بالمصدر.
تعليمات النيابة العامة ذهبت أبعد من ذلك، حيث دعت إلى فتح أبحاث معمقة في شبهات غسل الأموال، مع تفعيل مساطر الحجز والمصادرة في حق كل الأموال والممتلكات التي يثبت أنها ناتجة عن أنشطة غير مشروعة، وتحويلها لفائدة خزينة الدولة. إنها مقاربة تضرب في العمق فلسفة الإفلات من العقاب، وتؤسس لمرحلة جديدة عنوانها: “من أين لك هذا؟”.
الأكثر دلالة في هذه الخطوة، أنها لم تستثنِ الدوائر الضيقة المحيطة بالمنتخبين. فقد شددت التعليمات على تتبع ثروات أفراد العائلة، من زوجات وأبناء، في الحالات التي يُشتبه فيها في استعمالهم كواجهات لإخفاء الممتلكات، سواء عبر عقارات فاخرة، أو شركات خدماتية، أو رخص ومقالع تدر أرباحاً ضخمة. وهي ممارسات لطالما كانت حديث الشارع، دون أن تجد طريقها إلى التحقيق الجدي.
ورغم حدة هذه المقاربة، حرصت النيابة العامة على التذكير بثابت دستوري لا نقاش فيه: حماية الحقوق والحريات، وعلى رأسها الحق في الملكية، وعدم المساس بالأنشطة الاقتصادية المشروعة. فالمعركة ليست ضد الثروة في حد ذاتها، بل ضد مصدرها غير المشروع.
هذه الدينامية الجديدة تجد سندها في روح قانون المسطرة الجنائية المغربي، الذي يعزز آليات تتبع الجرائم المالية ويوسع من دائرة البحث والتحري، بما ينسجم مع المعايير الدولية في مكافحة الفساد وتبييض الأموال.
إنها لحظة الحقيقة.
إما أن تتحول هذه التعليمات إلى أفعال ملموسة تطيح برؤوس الفساد، أو تظل مجرد حبر على ورق يُضاف إلى أرشيف الوعود المؤجلة. المغاربة اليوم لا ينتظرون البلاغات، بل ينتظرون المحاسبة… محاسبة تعيد الثقة، وتؤكد أن زمن “الريع المحمي” قد ولى، وأن دولة القانون قادرة على فرض هيبتها، مهما كانت مواقع المتورطين.