“درهمان يشعلان الغضب… من يضبط فوضى المحروقات في المغرب؟”

لم تكن الزيادة الأخيرة في أسعار المحروقات بالمغرب مجرد تعديل عادي في السوق، بل جاءت كصدمة حقيقية للمواطنين، بعدما قفزت الأسعار بحوالي درهمين دفعة واحدة، في ظرفية اقتصادية واجتماعية دقيقة. هذه القفزة المفاجئة أعادت إلى الواجهة سؤالاً ظل معلقاً منذ سنوات: من يحمي القدرة الشرائية للمغاربة في سوق محررة بلا سقف ولا ضوابط؟

تشير المعطيات الحديثة إلى أن سعر الغازوال انتقل من حوالي 10.20 دراهم إلى ما يقارب 12.20 درهماً، مع زيادات مماثلة في البنزين �، فيما تحدثت مصادر مهنية عن زيادات قاربت درهمين للتر الواحد بشكل شبه فوري �. وهي أرقام تكشف حجم القفزة، لكنها لا تفسر وحدها عمق الأزمة.

تحرير الأسعار… من الإصلاح إلى الانفلات

منذ قرار تحرير أسعار المحروقات خلال حكومة عبد الإله بنكيران، دخل المغرب مرحلة جديدة عنوانها “تحرير السوق”. كان الهدف المعلن هو تخفيف عبء صندوق المقاصة وتحقيق توازنات مالية، لكن الواقع أفرز وضعاً مختلفاً: سوق بلا تسقيف، أرباح مرتفعة لشركات التوزيع، ومواطن يتحمل كامل تقلبات السوق الدولية.

في المقابل، دول أخرى تعتمد على الاستيراد مثل المغرب، لجأت إلى آليات تخفيف الصدمات: دعم جزئي، تسقيف مرحلي، أو تخفيض الضرائب. أما في المغرب، فقد تم نقل عبء التقلبات بالكامل إلى المستهلك، دون شبكة حماية فعالة.

لوبي المحروقات… فاعل خفي أم حقيقة قائمة؟

يتزايد الحديث داخل الأوساط السياسية والإعلامية عن “لوبي المحروقات”، وهو توصيف يعكس شعوراً عاماً بغياب المنافسة الحقيقية. فالتقارب الكبير في الأسعار بين مختلف الشركات، وتزامن الزيادات، يطرحان أكثر من علامة استفهام حول مدى احترام قواعد السوق.

ورغم نفي بعض الفاعلين وجود تواطؤ مباشر، إلا أن الواقع العملي يوحي بسوق شبه مغلق، حيث تتحكم قلة من الفاعلين في الأسعار، في غياب تدخل قوي من أجهزة الضبط.

التداعيات الاجتماعية… كرة ثلج تتدحرج

أي زيادة في المحروقات لا تبقى معزولة، بل تنتقل بسرعة إلى باقي القطاعات:

ارتفاع كلفة النقل

زيادة أسعار المواد الغذائية

تآكل القدرة الشرائية

اتساع الفوارق الاجتماعية

وهذا ما يجعل هذه الزيادات ذات بعد اجتماعي خطير، خاصة في ظل هشاشة فئات واسعة من المجتمع.

الحكومة بين تضارب المصالح وانتظارات الشارع

تجد الحكومة نفسها اليوم أمام اختبار حقيقي، خصوصاً وأن رئيسها الحالي مرتبط بقطاع المحروقات، ما يطرح تساؤلات حول تضارب المصالح، أو على الأقل حول القدرة على اتخاذ قرارات جريئة في هذا الملف.

فهل ستتدخل الحكومة لحماية المواطن؟ أم ستكتفي بدور المتفرج في سوق يزداد اشتعالاً؟

الرهان اليوم ليس فقط اقتصادياً، بل هو سياسي واجتماعي بامتياز. فالمواطن المغربي لم يعد يطالب فقط بتفسير الزيادات، بل بإجراءات ملموسة:

إعادة النظر في تسقيف الأسعار

تفعيل دور مجلس المنافسة

فرض شفافية في تحديد الأسعار

دعم مباشر للفئات الهشة بدل دعم غير مباشر للمهنيين

خلاصة نقدية

إن ما يحدث اليوم ليس مجرد ارتفاع ظرفي في الأسعار، بل نتيجة تراكمات لسياسات عمومية اختارت التحرير دون مواكبة، ورفعت يد الدولة دون بناء آليات ضبط بديلة. والنتيجة: سوق حرة نظرياً، لكنها عملياً تميل لصالح الفاعلين الكبار على حساب المواطن.

السؤال الذي يفرض نفسه بقوة:

هل ستستمر الدولة في نهج “التحرير غير المؤطر”، أم أن لحظة المراجعة قد حانت قبل أن تتحول الأزمة إلى احتقان اجتماعي مفتوح؟

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد