حين تتمرّد المناصب على الدولة: رسالة مفتوحة إلى رئيس الحكومة ووزير الفلاحة

في دولة المؤسسات، حيث يُفترض أن يسود القانون وتُحترم قواعد الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة، تبرز حالات شاذة تُسيء لصورة الإدارة العمومية وتطرح أكثر من علامة استفهام. ومن بين هذه الحالات، ما تعيشه الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية، المؤسسة الاستراتيجية التي يُفترض أن تكون نموذجاً في الشفافية والانضباط الإداري.

إنها رسالة مفتوحة نوجهها إلى عزيز أخنوش، رئيس الحكومة بصفته رئيساً للمجلس الإداري للوكالة، وإلى أحمد البواري، الوزير الوصي على هذا المرفق الحيوي، حول وضع لم يعد مقبولاً، بل أصبح يطرح تساؤلات عميقة حول من يحكم فعلياً داخل هذه المؤسسة.

كيف يُعقل أن مديراً عاماً يُعيَّن بظهير شريف، ويمتلك من الناحية القانونية كل الصلاحيات لتدبير شؤون المؤسسة، يجد نفسه عاجزاً عن تنفيذ قرار إعفاء أحد المدراء المركزيين؟ أي منطق إداري هذا الذي يجعل المسؤول الأول يبدو وكأنه “يسود ولا يحكم”، بينما تتكسر قراراته أمام تدخلات في آخر لحظة؟

الأخطر من ذلك، أن هذا المدير المركزي ظل جاثماً في منصبه لأزيد من عشر سنوات، في وقت لا تتجاوز فيه مدة بقاء باقي المسؤولين أربع سنوات في أحسن الأحوال. وضع استثنائي يثير غضب الأطر والمستخدمين، ويغذي الإحساس بوجود “امتياز غير مفهوم” وحماية غير معلنة، تتحدى مبدأ تكافؤ الفرص داخل الإدارة.

لقد تم اتخاذ قرار بإعفائه، وفق ما راج داخل أوساط الوكالة، غير أن تدخلات في “الوقت القاتل” حالت دون تنفيذ القرار. هنا يبرز السؤال الجوهري: من يقف وراء تعطيل قرار إداري مشروع؟ ومن يملك الجرأة لتعطيل إرادة المدير العام؟ وهل أصبح لبعض المسؤولين نفوذ يفوق نفوذ الدولة نفسها؟

إن ما يقع ليس مجرد خلاف إداري عابر، بل مؤشر خطير على اختلال في موازين السلطة داخل مؤسسة استراتيجية، يفترض أن تكون تحت رقابة صارمة، لا أن تتحول إلى مجال نفوذ مغلق خارج المساءلة.

السيد رئيس الحكومة،

السيد الوزير الوصي،

إن استمرار هذه الحالة الشاذة يضرب في العمق مصداقية الإصلاحات التي ترفعها الدولة شعاراً، ويقوض ثقة المواطن في الإدارة. فكيف يمكن الحديث عن ربط المسؤولية بالمحاسبة، في حين يتم الالتفاف على قرارات الإعفاء؟ وكيف يمكن إقناع الكفاءات بالعمل داخل الإدارة، في ظل وجود مناصب “محصنة” خارج القانون؟

إننا اليوم أمام مفترق طرق:

إما ترسيخ دولة المؤسسات، حيث لا أحد فوق القانون،

وإما ترك المجال لمراكز نفوذ موازية تُفرغ الدولة من مضمونها.

الكرة الآن في ملعبكم.

فإلى متى ستستمر هذه الحالة؟

ومن يحمي من؟

أسئلة مشروعة تنتظر أجوبة واضحة، لأن الصمت في مثل هذه القضايا لم يعد خياراً.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد