“جرسيف… حين يُختطف الهدوء لصالح ثروة بلا أصل”

ليست جرسيف مجرد مدينة عابرة على خريطة الوطن، بل هي ذاكرة جماعية تختزن قيماً راسخة في الكرم والنخوة، وموطناً لرجالات بصموا تاريخ المغرب بمداد التضحية، من أمثال علال بن عبد الله الصالحي، أحد رموز الوطنية الصادقة، إلى شخصيات عسكرية وإدارية خدمت الوطن في صمت ومسؤولية. مدينة كانت دائماً عنواناً للبساطة والوفاء، قبل أن تتحول تدريجياً إلى مجال مفتوح لظاهرة مقلقة: صعود ما يمكن تسميتهم بـ”الأغنياء الجدد”.

هذه الفئة، التي تسللت إلى مفاصل التدبير المحلي، لا تمثل بالضرورة الامتداد الطبيعي للنسيج الاجتماعي للمدينة، بل هي نتاج تزاوج غير صحي بين السلطة والمال. منتخبون، برلمانيون، وبعض المسؤولين في إدارات عمومية، استطاعوا في زمن قياسي الانتقال من وضعيات عادية إلى امتلاك عقارات شاسعة، وأراضٍ فلاحية، وأسطول من السيارات الفاخرة، في مشهد يطرح أكثر من علامة استفهام.

المفارقة المؤلمة أن هذا التراكم السريع للثروة لا ينعكس إيجاباً على واقع المدينة ولا على ساكنتها. فبدل أن تكون جرسيف ورشاً للتنمية المحلية، أصبحت في بعض تجلياتها ساحة لاستغلال الطبقة العاملة، حيث يُسخَّر الفقراء في مشاريع لا تضمن لهم الحد الأدنى من الكرامة الاجتماعية، بينما تُضخ الأرباح في حسابات ضيقة لا ترى في المدينة سوى منجماً للربح.

الأخطر من ذلك، أن هذا التحول خلق نوعاً من القطيعة الصامتة بين “جرسيف الأصيلة” و”جرسيف المصطنعة”. الأولى تمثل سكانها الحقيقيين، بقيمهم وتاريخهم، والثانية تُدار بعقلية الريع والامتيازات، حيث تُفصَّل القرارات على مقاس المصالح، وتُفرغ المؤسسات من أدوارها الرقابية.

لا يتعلق الأمر هنا برفض الوافدين أو الاستثمار الخارجي، فالتنمية تحتاج إلى انفتاح، لكن الإشكال يكمن في نمط هذا “الوافد”: هل يأتي ليبني ويُشرك الساكنة، أم ليغتنم الفرص في غياب المحاسبة؟ وهل أصبحت بعض المناصب مدخلاً للاغتناء بدل أن تكون تكليفاً لخدمة الصالح العام؟

إن ما تعيشه جرسيف ليس حالة معزولة، بل هو جزء من ظاهرة أوسع في عدد من الأقاليم، حيث يُعاد تشكيل مراكز النفوذ بعيداً عن أي ربط حقيقي بالمحاسبة. غير أن خصوصية جرسيف تكمن في التناقض الصارخ بين ماضيها المشرف وحاضرها المرتبك.

اليوم، أكثر من أي وقت مضى، تطرح الحاجة إلى إعادة الاعتبار لقيم النزاهة وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتفعيل آليات مراقبة الثروة، وفتح نقاش عمومي صريح حول مصادر هذا الثراء المفاجئ. فالتاريخ لا يرحم، وذاكرة المدن لا تُشترى.

جرسيف، التي أنجبت رجالاً صنعوا المجد، لا تستحق أن تُختزل في قصص اغتناء مشبوه. وبين صمت المؤسسات واحتقان الشارع، يبقى السؤال معلقاً: من يحمي روح المدينة من هذا الانزلاق الصامت؟

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد