لم يكن المؤتمر الاستثنائي لحزب التجمع الوطني للأحرار مجرد محطة تنظيمية عابرة، بل شكّل لحظة سياسية مكثفة الدلالات، عنوانها الأبرز: انتخاب الشوكي رئيساً للحزب، ونهاية مرحلة بكامل أثقالها السياسية والشخصية التي حملها عزيز أخنوش لسنوات. غير أن ما رافق هذا الانتقال من مشاهد وتصريحات وانفعالات، كشف أكثر مما أخفى، وطرح أسئلة عميقة حول صدقية الخطاب الداخلي للحزب ومستقبل نخبته القيادية.
انتخاب الشوكي: انتقال مُدار لا مفاجئ
من حيث الشكل، جاء انتخاب الشوكي في سياق يوحي بالانسجام والانضباط التنظيمي، وكأن الحزب أراد أن يبعث برسالة استمرارية لا قطيعة. فالخيار لم يكن صدامياً ولا ثورياً، بل امتداداً لخط سياسي واحد، يحاول الحفاظ على تماسك الحزب في ظرفية دقيقة داخلياً وخارجياً.
غير أن هذا “الهدوء” الظاهري لا يخفي حقيقة أساسية: الحزب دخل مرحلة ما بعد أخنوش، مهما حاول البعض تسويق الأمر كتحول سلس خالٍ من التوترات.
دموع التماسيح: عندما تبكي النخبة على ما صنعته بيديها
أكثر ما شدّ الانتباه في هذا المؤتمر لم يكن نتائج التصويت، بل سخاء الدموع التي ذرفها بعض كبار أعضاء المكتب السياسي، أولئك الذين لازموا أخنوش في السراء والضراء، وصفّقوا لكل قراراته، ودافعوا عنه باستماتة في الإعلام والبرلمان.
هذه الدموع لم تُقنع أحداً. لأنها لم تكن دموع محاسبة ذاتية، ولا اعترافاً بالأخطاء، بل بدت محاولة متأخرة لتبييض اليدين من مسؤولية جماعية. فهؤلاء لم يكونوا ضحايا مرحلة، بل كانوا جزءاً أصيلاً من صناعتها، بل من حراستها وتبريرها.
أخنوش: تضحية بلا مقابل سياسي
بعيداً عن المواقف المؤيدة أو المعارضة لعزيز أخنوش، يصعب إنكار حقيقة واحدة: الرجل ضحّى بما فيه الكفاية.
ضحّى بماله، براحته، بكرامته السياسية، وبصحته، وتحوّل إلى هدف دائم للسخرية والهجوم، في وقت كان فيه كثيرون من داخل حزبه يختبئون خلفه، ويتركونه وحيداً في مواجهة العاصفة.
واليوم، وهو يغادر الواجهة الحزبية، يترك خلفه “الجمل بما حمل”: إرثاً ثقيلاً من القرارات، والتناقضات، والرهانات غير المحققة، لكنه يترك أيضاً سؤالاً معلّقاً في وجه رفاقه:
ماذا أنتم فاعلون الآن؟
ما بعد المؤتمر: اختبار الصدق والمسؤولية
انتخاب الشوكي ليس نهاية القصة، بل بدايتها الحقيقية. فإما أن يتحول المؤتمر الاستثنائي إلى لحظة مراجعة صادقة، تعيد ترتيب العلاقة بين الحزب والمجتمع، وتقطع مع منطق الريع السياسي وتقديس الزعامات،
وإما أن يبقى مجرد تغيير في الوجوه مع بقاء العقليات نفسها.
المرحلة المقبلة لن تُقاس بالخطب ولا بالدموع، بل بالقرارات الشجاعة، وبقدرة القيادة الجديدة على تحمّل المسؤولية كاملة، دون الاختباء خلف شماعة “المرحلة السابقة”.
لقد غادر أخنوش المشهد الحزبي مثقلاً، وترك لمن كانوا حوله امتحاناً عسيراً.
فإما أن يثبتوا أن دموعهم كانت صادقة بالفعل،
أو يؤكدوا، بالفعل لا بالقول، أنها لم تكن سوى دموع تماسيح في مؤتمر أرادوا له أن يكون نهاية بلا محاسبة.
والتاريخ الحزبي لا يرحم.